رئيس التحرير
أحمد ناصف
رئيس التحرير
أحمد ناصف

اعزلوهم فورًا !!!

نشر
مستقبل وطن نيوز

 في عالم افتراضي يحكمه «اللايك» و«الشير»، تحوّل المنصب السابق إلى تهمة، والخبرة إلى شبهة، وأصبح مجرد العمل في موقع مسؤولية عامة كافيًا لاتهام صاحبه بعدم الأهلية السياسية.

فلم يعد الجدل يدور حول الدستور أو النصوص القانونية، بقدر ما أصبح محكومًا بمنطق السوشيال ميديا، حيث تُصدر الأحكام سريعًا، ويُرفع شعار العزل السياسي دون سند، ويُختزل العمل البرلماني في سؤال واحد: «هو مين هيراقب مين؟».

الحقيقة أن هذا الجدل ليس جديدًا، لكنه يُعاد إنتاجه اليوم بنبرة أعلى وضجيج أكبر. فالدولة المصرية عرفت، لسنوات طويلة، نموذج الجمع بين المنصب التنفيذي والنيابي دون أن يُنظر إليه كجريمة سياسية أو خلل دستوري.

ففي برلمانات سابقة، وتحديدًا قبل عام 2011، جلس تحت القبة عدد كبير من الوزراء وهم في الوقت نفسه نواب عن الشعب، في مشهد كان طبيعيًا بحكم الدستور القائم آنذاك.

وكان من أبرز هذه النماذج الراحل كمال الشاذلي، أحد أقدم نواب البرلمان عن دائرة الباجور بالمنوفية، والذي شغل في الوقت نفسه منصب وزير شؤون مجلسي الشعب والشورى، دون أن يُثار وقتها سؤال «مين هيراقب مين».

كما جمع زكريا عزمي بين موقعه كرئيس لديوان رئيس الجمهورية وعضويته البرلمانية عن دائرة الزيتون بالقاهرة، إلى جانب أسماء أخرى مثل سيد مشعل وزير الإنتاج الحربي ونائب حلوان، ونصر علام وزير الري ونائبًا عن الشرقية، والعلامة الدكتور مفيد شهاب وزير الشؤون النيابية وعضو بمجلس الشوري ثم عضو بمجلس الشعب. واللواء حبيب العادلي وزير الداخلية كان نائبًا بمجلس الشورى

غير أن دستور 2014 حسم هذه المسألة، وأقر الفصل الكامل بين المنصب الوزاري وعضوية مجلس النواب، في المادة (164) منعًا لتعارض المصالح، وترسيخًا لمبدأ الفصل بين السلطات. لكنه، في المقابل، لم يُصدر حكمًا بالعزل المؤبد على كل من تولى منصبًا وزاريًا، ولم ينص على تجريد الوزراء السابقين من حقهم في العمل العام أو المشاركة السياسية.

ورغم وضوح هذا الأمر، تصر «صحافة السوشيال ميديا» على اختزال السياسة في مشهد رقابي واحد، متناسية أن النائب ليس مجرد مراقب، بل مشرّع وشريك في صناعة القرار. فهل تحوّل التشريع إلى دور ثانوي؟ وهل أصبحت الخبرة التنفيذية عبئًا بدلًا من كونها إضافة؟

المنطق يقول إن وجود نائب لديه خبرة سابقة في إدارة ملف ما، لا يُضعف البرلمان بل قد يُقويه، خاصة داخل اللجان النوعية المتخصصة. فعندما يتولى وزير سابق موقعًا برلمانيًا متصلًا بطبيعة عمله السابق، يصبح النقاش أكثر عمقًا، والقرارات أكثر واقعية، بعيدًا عن الشعارات والإنشاء السياسي.

وهو منطق لا يختلف عليه اثنان إذا ما قيس بأمثلة حديثة، مثل تولي سامح شكري، وزير الخارجية السابق، رئاسة لجنة العلاقات الخارجية، بما يحمله من خبرة تراكمية في الملفات الدولية والدبلوماسية.

المفارقة أن من يطالبون اليوم بعزل الوزراء السابقين عن الحياة السياسية، هم أنفسهم من يشتكون بالأمس من ضعف الأداء التشريعي، أو غياب الكفاءة داخل بعض اللجان. وكأن المطلوب برلمان بلا خبرة، ونواب بلا تاريخ، ومناقشات بلا معرفة حقيقية بتعقيدات الدولة.

أما السؤال الشهير: «هو مين هيراقب مين؟»
فالإجابة أبسط مما يظن البعض؛ الرقابة لا تُمارَس بالأسماء السابقة، بل بالنصوص الدستورية، واللوائح، والتوازنات المؤسسية. والنائب، أيًا كانت خلفيته، خاضع لنفس القواعد، ونفس أدوات المساءلة، ونفس الالتزام أمام الرأي العام.

السياسة ليست محكمة تفتيش، ولا تصفية حسابات مع الماضي. ومن شغل منصبًا عامًا بالأمس، لا يفقد تلقائيًا حقه في المشاركة اليوم، ما دام الدستور قد رسم الحدود، والقانون وضع القواعد، والإرادة الشعبية منحت التفويض.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي:
هل نريد برلمانًا يحكمه الترند، أم دولة تُدار بالعقل والخبرة والنص الدستوري؟

اقرأ أيضًا..

بالعقل.. 2025 غير 2011

المنافسة على طريقة «مش لاعب»
الإجراءات الجنائيَّة.. أمر لو تعلمون عظيم


 

عاجل