من هو عبد الفتاح مصطفى مؤلف «مولاي» للنقشبندي و«لسه فاكر» لأم كلثوم؟
حين يتردد صوت الشيخ سيد النقشبندي في الابتهال الخالد «مولاي»، يصعب على المستمع أن يتخيل أن كلمات هذا العمل الروحاني العميق كتبها الشاعر نفسه الذي صاغ واحدة من أشهر أغنيات الحب التي شدت بها أم كلثوم «لسه فاكر قلبي يديلك أمان».
هذه المفارقة الفنية تختصر مسيرة شاعر استطاع أن يتحرك بين عالمين متباعدين؛ عالم الابتهال الصوفي وعالم الغناء العاطفي، تاركًا بصمة استثنائية في تاريخ الأغنية المصرية دون أن يحظى بالشهرة التي تليق بحجم تأثيره.
إنه الشاعر عبد الفتاح مصطفى، أحد أبرز صناع الأغنية الدينية الحديثة في مصر، والذي ظل اسمه بعيدًا عن الأضواء رغم حضوره القوي في ذاكرة الإذاعة المصرية عبر مئات الأعمال التي شكلت وجدان أجيال كاملة.
أسس ملامح الأغنية الدينية
لم يكن عبد الفتاح مصطفى مجرد شاعر غنائي عابر، بل أحد أهم الأصوات التي أسست لملامح الأغنية الدينية في العصر الحديث. فقد كتب ما يقرب من 15 نشيدًا للشيخ سيد النقشبندي، جميعها من ألحان الموسيقار بليغ حمدي، لتشكل ثنائيًا فنيًا استثنائيًا لا يزال حاضرًا بقوة في وجدان المستمعين.
ولم تتوقف تجربته عند الابتهالات – والتي كان من بينها ابتهال مولاي -، إذ امتدت إلى كبار نجوم الغناء المصري، فغنت له أم كلثوم «لسة فاكر»، كما قدم للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ عددًا من الأعمال الدينية التي لحنها محمد الموجي، من بينها «أنا من تراب» و«ورحمتك في النسيم» و«ع التوتة والساقية».
كما كتبت كلماته كامل أغنيات فيلم «الشيماء» التي أدتها المطربة سعاد محمد، بينما جاءت مقدمة مسلسل «محمد رسول الله» — التي غنتها ياسمين الخيام ولحنها جمال سلامة — ضمن أبرز أعماله الدينية التي ارتبطت بذاكرة الجمهور العربي. كذلك تعاون معه الفنان محمد الكحلاوي في نشيد «مدد يا نبي».
ورغم هذا الإنتاج الضخم، ظل عبد الفتاح مصطفى بالنسبة لكثيرين «الجندي المجهول» في عالم الأغنية الدينية، إذ تجاوز رصيده الفني ألف عمل تنوعت بين الشعر الغنائي والنصوص الدينية والأعمال الإذاعية.
النشأة والبدايات
وُلد عبد الفتاح مصطفى عام 1924 في حي الجمالية بالقاهرة، بالقرب من الأزهر الشريف ومسجد الإمام الحسين، في بيئة دينية وثقافية تركت أثرًا واضحًا في تكوينه الفكري. وكان والده عالمًا أزهريًا متخصصًا في فقه السنة والمذهب الشافعي، إلا أن وفاة الأب المبكرة جعلت الطفل يختبر اليُتم في سن الثالثة تقريبًا.
منذ صغره أظهر ميولًا فنية واضحة، فارتبط بالسير الشعبية مثل «الأميرة ذات الهمة» و«سيف بن ذي يزن» والسيرة الهلالية، كما اهتم بالرسوم والقصص المصورة وكتابة الزجل.
وفي سن مبكرة سعى إلى صقل موهبته، فبدأ قراءة دواوين كبار الشعراء مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، لتتفجر موهبته الشعرية قبل بلوغه الخامسة عشرة، ويصدر ديوانه الأول «المزامير» وهو في التاسعة عشرة من عمره.
رحلة فكرية و«هجرة نفسية»
قبل أن يكتب ابتهال «مولاي» أو أن يؤلف أغنية «لسة فاكر»، مر الشاعر بمرحلة تحول فكري عميق، حيث انشغل بقراءة الفلسفة وعلم النفس، خاصة أعمال سيغموند فرويد وألفريد أدلر، وهو ما وصفه لاحقًا بأنه «هجرة نفسية» ابتعد خلالها عن اللغة العربية والتراث.
لكن شعورًا داخليًا بالغربة دفعه إلى العودة مجددًا إلى جذوره، فغاص في القرآن الكريم وتفاسيره وكتب الفقه والسيرة والتاريخ الإسلامي، وهو التحول الذي انعكس بوضوح على أعماله الدينية التي جمعت بين العمق الروحي والبناء الشعري الرصين.
ومن أشهر مقولاته التي لخصت فلسفته في الحياة:
«لا تتعجل، فإن لقمة العيش تُخبز في السماء».