الكنافة البلدي في سوهاج.. حرفة تراثية تعلن قدوم رمضان
مع حلول شهر رمضان المبارك، تتبدل ملامح الشوارع والأسواق في سوهاج، وتفوح روائح الحلويات الشرقية التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بأجواء الشهر الكريم، وتظل الكنافة البلدي واحدة من أبرز مظاهر البهجة الرمضانية وعلامة مميزة لقرب حلول الشهر الفضيل.
في منطقة الهلال بمدينة سوهاج، ما زالت صناعة الكنافة البلدي تُمارس بطريقتها التقليدية القديمة داخل فرشة بسيطة، تحمل بين تفاصيلها تاريخًا طويلًا من الكفاح والعمل اليدوي الدقيق. هناك يقف عم أحمد، أقدم صانع كنافة بالمحافظة، يباشر عمله بحركات معتادة اكتسبها عبر سنوات طويلة، في مهنة توارثها أبًا عن جد، لتتحول من حرفة موسمية إلى إرث عائلي يحافظ على هوية المكان وروحه.
أدوات بسيطة بروح تراثية
تعتمد صناعة الكنافة البلدي على أدوات تقليدية صمدت رغم تطور وسائل الإنتاج الحديثة؛ صاج نحاسي كبير يتوسط الفرشة، وكوز نحاسي مبطن بطبقة تحافظ على نقاء المكونات وثبات الطعم، إلى جانب أسطوانة بوتاجاز توفر الحرارة اللازمة لعملية “الرش”.
ورغم بساطة هذه الأدوات، فإنها تمثل سر المهنة، إذ تمنح الكنافة قوامها المميز وخيوطها الذهبية المتشابكة.
تبدأ العملية بإعداد خليط من الدقيق والماء وقليل من الملح، يُسكب داخل الكوز، ثم يُرش بحركات دائرية منتظمة فوق الصاج الساخن، لتتشكل خيوط الكنافة في حلقات متناسقة تُعرف بين الصناع باسم “كربال الكنافة”. وتحتاج هذه المرحلة إلى دقة وخبرة، فسر النجاح لا يكمن فقط في جودة المكونات، بل في مهارة اليد وسرعة الحركة وتوزيع الحرارة بشكل متوازن.
موسم ينتظره الجميع
ورغم أن المهنة موسمية بطبيعتها ويزداد نشاطها خلال شهر رمضان، فإن الإقبال عليها كبير، خاصة من الزبائن الدائمين الذين يفضلون المذاق البلدي الأصيل على المنتجات الصناعية الجاهزة، فالكنافة المصنوعة يدويًا تمنح إحساسًا خاصًا يرتبط بذكريات الطفولة وجلسات العائلة بعد الإفطار.
ولا تقتصر الفرشة على إعداد الكنافة فحسب، بل يتم أيضًا صنع القطايف بالطريقة نفسها، داخل مساحة نظيفة ومنظمة بعيدًا عن الأتربة، في حرص واضح على جودة المنتج وسلامته. ويؤكد رواد المكان أن الفرق في الطعم واضح، وأن الكنافة البلدي تحتفظ بقوامها ومذاقها حتى بعد تحميرها في المنزل.
تراث يقاوم الحداثة
في ظل انتشار المصانع والمنتجات الجاهزة، تبقى الكنافة البلدي رمزًا لصمود الحرف التقليدية أمام موجات التحديث؛ فهي ليست مجرد حلوى، بل حكاية كفاح ومهنة تحفظ جزءًا من التراث الشعبي لمدينة سوهاج. وبين صوت الصاج الساخن وحركة الكوز الدائرية، تتجدد الحكاية كل عام، معلنة قدوم رمضان بنكهته الأصيلة.
وتظل الكنافة البلدي، بخيوطها الذهبية ومذاقها الفريد، واحدة من أجمل تفاصيل الشهر الكريم، وعلامة مضيئة في ذاكرة أبناء سوهاج، تجمع بين عبق الماضي ودفء الحاضر في كل بيت.