شفيق جلال.. أستاذ الموال الذي خرج من الحارة إلى ذاكرة الفن المصري
تحل اليوم الأحد، ذكرى رحيل الفنان الشعبي الكبير شفيق جلال، أحد أبرز الأصوات التي عبرت عن نبض الشارع المصري، وحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى مواويل نابضة بالصدق، لم يكن حضوره مرتبطا بالشهرة بقدر ما كان نابعا من التجربة، ومعايشة حقيقية للبيئة الشعبية، وهو ما منح غناءه طابعا خاصا جعله قريبا من الوجدان، وقادرا على الاستمرار بعد الغياب، كشاهد على زمن كانت فيه الأغنية الشعبية مرآة حقيقية للمجتمع.
ولد شفيق جلال عبدالله حسين البهنساوي في 15 يناير عام 1929 بحي الدرب الأحمر في القاهرة.
نشأ في أجواء شعبية خالصة، انعكست لاحقا على روحه الفنية، واضطر للعمل مبكرا في مهن عديدة، كان أبرزها صناعة الأحذية، قبل أن يصبح صوته وسيلته الحقيقية للخروج من ضيق المعيشة إلى عالم الفن.
قبل احترافه الغناء، لمع صوته في الأفراح والليالي الشعبية، وجاب الأقاليم مكتسبا خبرته من الاحتكاك المباشر بالجمهور، وفي عام 1943 اعتمدته الإذاعة المصرية مطربا رسميا، وكانت أغنيته الأولى "يا عم يا جمال"، ليبدأ ظهوره الإذاعي، وإن ظل لفترة مطربا يظهر في الفقرات الأخيرة للحفلات.
جاءت نقطة التحول الحقيقية في مسيرة شفيق جلال عام 1961 خلال إحدى حفلات العندليب عبدالحليم حافظ، حين تأخر الأخير عن الحفل، ما دفع المنظمين للاستعانة بشفيق جلال، صعد إلى المسرح وقدم "موال الصبر"، ليفاجئ الجمهور بأداء استثنائي، تفاعل معه الحاضرون بشدة، مطالبين بتكرار الموال أكثر من مرة، لتكون تلك الليلة بداية شهرته الواسعة وعودته القوية إلى دائرة الضوء.
لقب شفيق جلال بـ "أستاذ الموال"، بفضل صوته القوي وقدرته الفريدة على الوصول إلى الطبقات العالية في المقامات الموسيقية الصعبة، مع إحساسه الصادق المستمد من جذوره الشعبية الأصيلة، وارتبط اسمه بعدد كبير من الأغنيات التي ظل صداها حاضرا عبر العقود:
"أمونة" ، "شيخ البلد"، "موال الأصيل"، "عِمران وبهانة"، "بنت بحري"، "يا حسرة عليها"، "بنت الأصول"، "كان ليا صاحب عاشرته"، و "بين وبين الحلو قضية" ، وغيرها من الأغنيات التي مازالت تردد في الأفراح والمناسبات الشعبية.
كما قدم للإذاعة المصرية عددا من الأعمال والبرامج الغنائية المهمة، من بينها: أوبريت "الليلة الكبيرة"، "المعرض" و" الزفة".
دخل شفيق جلال عالم السينما مبكرا من خلال فيلم " سر طاقية الإخفاء" (1946) ثم توالت مشاركاته، خاصة مع المخرج حسن الإمام الذي شكل محطة فارقة في مسيرته الفنية أبرزها أفلام : خلي بالك من زوزو (1972) ، حكايتي مع الزمان (1974) ، أميرة حبي أنا (1974).
كما شارك في أفلام أخرى من بينها : ريا وسكينة (1952) ، الأنسة حنفي (1954) ، بمبة كشر (1974) ، بديعة مصابني (1975) ، شفيقة ومتولي ( 1978).
وعلى الصعيد الشخصي، تزوج الراحل وعاش حياة أسرية مستقرة بعيدا نسبيا عن الأضواء، وأنجب ابنه الوحيد جلال شفيق، الذي سار على خطى والده في مجال الغناء الشعبي.
وفي 15 فبراير عام 2000، رحل شفيق جلال عن عالمنا عن عمر ناهز 71 عاما، بعد معاناة مع مرض الكلى وتعرضه لأزمة قلبية، نقل على إثرها إلى أحد مستشفيات القاهرة، ليسدل الستار على رحلة فنية طويلة بدأت من الحارة، وانتهت في ذاكرة الفن المصري، ليبقى أستاذ الموال رمزا فنيا صادقا خرج من الناس وعاش بينهم، وغنى بلسانهم، فخلد اسمه في تاريخ الغناء المصري.

