رئيس مجلس الإدارة
أشرف رشاد
نائب رئيس مجلس الإدارة
دينا عبد الكريم
رئيس التحرير
أحمد ناصف
رئيس مجلس الإدارة
أشرف رشاد
نائب رئيس مجلس الإدارة
دينا عبد الكريم
رئيس التحرير
أحمد ناصف

قانون حقوق عمال كاليفورنيا يهدد الأزياء المصنوعة في أميركا

نشر
عمال في مشغل أزياء
عمال في مشغل أزياء في لوس أنجلوس

لطالما كانت لوس أنجلوس مركز صناعة الملابس في أميركا الرائد، حيث تُنتج القمصان وملابس السباحة والفساتين لصالح علامات الموضة حول العالم. إلا أن قانون العمل الذي صدر مؤخراً وترافق مع ارتفاع في التكاليف بات يهدد مستقبل الأزياء المصنوعة في الولايات المتحدة.

صدر قانون حماية العاملين في صناعة الملابس في كاليفورنيا قبل عام، ويهدف للقضاء على الممارسة السائدة في القطاع والمتمثلة بدفع أجور العمال على القطعة، بدل دفع أجورهم على الساعة، ما يؤدي في كثير من الأحيان لتلقيهم دخلاً أقل من الحدّ الأدنى للأجور.

يحمّل القانون الجديد علامات الموضة مسؤولية أي انتهاك لحقوق العمال قد تقع على امتداد سلاسل التوريد التي تعتمدها. كما تدرس ولاية نيويورك وكذلك الكونغرس مشاريع قوانين مشابهة.

تتسابق شركات الأزياء كي تجعل إنتاج الملابس أسرع وأرخص، ما يجعلها شديدة التأثر بالتكلفة، بالتالي قد تتطلع أكثر نحو التصنيع خارج البلاد إن زادت نفقاتها، حتى لو كانت هذه الزيادة تدريجية.

قالت شركات قابلناها لإعداد هذا المقال إن تكلفة التصنيع في لوس أنجلوس ارتفعت نتيجة القانون الذي سنته الولاية، ما يقلل من هوامش ربحها ويجبرها على رفع الأسعار ويعرضها لخطر خسارة زبائنها.

ستضطر الشركات التي تعجز عن تحقيق الربح للبحث عن أماكن جديدة تنتقل إليها، ما يسرّع الهجرة الجماعية ويفرّغ منطقة الأزياء التي كانت يوماً تنبض بالحياة في المدينة.


قالت كاثلين تالبوت، مديرة شؤون الاستدامة في "ريفورميشين" (Reformation)، وهي علامة أزياء نسائية تنتج نحو 30% من ملابسها في لوس أنجلوس ولا تخطط لترك المدينة في الوقت الحالي:"إن التزمت بالعدالة تجاه اليد العاملة سترتفع التكلفة بلا شك".

بيّنت تالبوت إن شركة "ريفورميشين" التي تتراوح أسعار فساتينها بين 100 و400 دولار تطرح نفسها كشركة "رائدة في الممارسات المستدامة، وتركز على الأشخاص والتقدم في كل خطوة تخطوها... عليك أن تجد طريقة لتضمين ذلك في نموذج أعمالك أو في هوامش ربحك. وفي بعض الحالات سيكون عليك تحميل ذلك للزبائن".

توظف مصانع المنسوجات وشركات صناعة الملابس مجتمعة 23800 شخص في مقاطعة لوس أنجلوس، وفقاً لبيانات دائرة تطوير التوظيف في كاليفورنيا.

قال المحامي ماثيو ديكاروليس المتخصص في حقوق الموظفين في شركة المحاماة غير الربحية "بيت تزيديك" (Bet Tzedek) التي تتولى قضايا تتعلق بالأجور، إن القانون الصادر في كاليفورنيا يشكل تقدماً كبيراً بالنسبة للعمال الذين يعمل بعضهم في القطاع منذ عقود، وسيحصلون للمرة الأولى على أجر عادل وتعويض عن ساعات العمل الإضافية.

أشار إلى أن هذا القانون حديث جداً، لذا ما يزال عديد من المطالبات المتعلقة بالأجور قيد التحقيق، لكن يُنتظر سداد الدفعات خلال هذا العام.

ينص قانون حماية العاملين في صناعة الملابس في كاليفورنيا على توسيع نطاق تحميل المسؤولية عن الأجور أو التعويضات غير المدفوعة، وصولاً حتى العلامة التجارية، على أن يشمل ذلك أيضاً الشركات التي لا تقع مقراتها في الولاية.

مثلاً، إن تبيّن أن شركة لصناعة السحابات في لوس أنجلوس تخالف قواعد التعويض عن العمل الإضافي، يمكن تحميل علامة أزياء تبيع بنطالاً يحتوي على سحاب من صنع تلك الشركة مسؤولية دفع الأجور المستحقة لعمال الشركة الموردة.

توسيع المسؤولية
يقول مؤيدو القانون إنه سيحمّل الشركات التي تربح من العمالة منخفضة الأجر مسؤولياتها، في حين يرى منتقدوه أنه سيطبق ضغوطاً كبيرة على العلامات التجارية، ما يدفعها لنقل إنتاجها إلى أماكن أخرى.

قالت مارتا ميلر، الشريكة المؤسسة لشركة "ليفتي برودكشن" (Lefty Production) لصناعة الأزياء والإكسسوارات في لوس أنجلوس، التي تعاملت مع أكثر من 150 علامة تجارية منها "أوربان أوتفيتيرز" (Urban Outfitters) و"وول مارت": "لا ترغب في أن تكون علامة تجارية صغيرة وتجد نفسك مسؤولاً عن مطالبات أجور لأن من تعاقدت معهم ليصبغوا أقمشتك لم يلتزموا بجميع القواعد فيما ليس لديك وسيلة لتعرف ذلك". أضافت: "العلامات التجارية تغادر سوق التصنيع المحلية لأنها لن تقوم بمثل هذه المخاطرة".

بعد دخول القانون حيز التنفيذ في يناير الماضي، استعانت ميلر بخدمات مدقق للتأكد من أن المتعاقدين الفرعيين مع شركتها يتبعون القواعد الجديدة. وقد اضطرت في بعض الحالات لإيجاد شركاء جدد، حيث رفع غالبية الموردين أسعارهم للتأقلم مع التكلفة المتزايدة للامتثال لهذا القانون.

يضاف كلّ ذلك إلى التحديات الاقتصادية الأوسع مثل ارتفاع أسعار الإيجارات وأسعار المواد الأولية ونقص العمالة.

كانت ميلر بدأت بنقل بعض عمليات إنتاجها إلى خارج لوس أنجلوس حتى قبل صدور القانون، واستحوذت في 2021 على شركة تطوير أزياء في أوستن، حيث انتقلت للسكن مع عائلتها. وهي ترسل اليوم مزيداً من العمل إلى خارج البلاد لمساعدة العملاء على احتواء التكاليف.

انتقادات للقانون
تعود جذور صناعة الأزياء في جنوب كاليفورنيا إلى عدة عقود خلت بفضل وجود العمالة الماهرة في صناعة النماذج والمصممين والخياطين، إلى جانب قرب المنطقة من كبرى موانئ البلاد.

تُعدّ مقاطعة لوس أنجلوس اليوم موطناً لأكثر من 25% من قطاع الملابس في الولايات المتحدة، وهي النسبة الأضخم في البلاد، وفقاً لبيانات مكتب إحصائيات العمالة.

يسجل قطاع صناعة الملابس تراجعاً منذ عقود في الولايات المتحدة، ويُعزى ذلك بجزء كبير منه إلى العولمة. فقد تراجع معدل التوظيف في القطاع في مقاطعة لوس أنجلوس بنسبة 77% منذ عام 2000.

مع ذلك، كان تأثير قانون حماية العاملين في صناعة الملابس جلياً على الفور في منطقة الأزياء في لوس أنجلوس، حسب مالكي العقارات والمطورين العقاريين المحليين.

قال أحد مديري العقارات الذي امتلكت عائلته مباني تُستخدم لإنتاج الملابس منذ ستة عقود إن عديداً من المنتجين غادروا المكان وبات شغل المساحات المتوفرة أصعب، خاصة لأن عديداً من الأبنية مقسمة خصيصاً لأغراض التصنيع.

عادة ما يتجه صنّاع الملابس الذي يغادرون المنطقة إلى خارج البلاد. قال أستاذ الاقتصاد المساعد في كلية "جليندايل" المجتمعية في كاليفورنيا إيزرا بوج الذي عمل سابقاً في قطاع صناعة الملابس: "لا شك أن أماكن أخرى من العالم تتمتع بميزات تنافسية من حيث كلفة اليد العاملة".

ذكر بوج كلاً من الصين وبنغلاديش كوجهات مفضلة، وتابع: "العمال هناك منتجون بقدر العمال المحليين على الأقل، وعلى الأرجح أكثر منهم حتى. فمن المنطقي التوجه إلى هناك من وجهة نظر مالية".

قالت إليسا ماتشيك رئيسة رابطة الأزياء في كاليفورنيا، وهي مجموعة داعمة للقطاع في لوس أنجلوس، إن القانون الجديد في كاليفورنيا يثني أيضاً الشركات الجديدة عن القدوم إلى الولاية، فحين تتطلع العلامات التجارية على قوانين صناعة الملابس "ستقرر بلا أدنى شك ألا تنتقل إلى هنا".

مزيد من القوانين
ألهم قانون كاليفورنيا استحداث قوانين مشابهة، مثل قانون الأزياء في ولاية نيويورك وقانون "المحاسبة في قطاع الأزياء وتحقيق تغيير مؤسسي حقيقي" الذي يُبحث على المستوى الفيدرالي، ويسعى لتحميل العلامات التجارية المسؤولية عن سرقة الأجور.

قُدم هذا القانون الوطني المعروف باسم "قانون النسيج" في مايو وهو بانتظار تصويت اللجنة المالية في مجلس الشيوخ. رغم أنه قد يُقَر في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، إلا أن مصيره في مجلس النواب الذي تسيطر عليه الآن غالبية جمهورية ما يزال غير مؤكد بعد.

أعربت مجموعات ناشطة في القطاع منها الرابطة الأميركية لشركات الأزياء والأحذية التي تضم بين أعضائها شركتي "غاب" (Gap) و"تارغيت" ومجلس مصممي الأزياء في أميركا الذي يمثل أكثر من 450 مصمماً، عن معارضتها للنواحي المتعلقة بأحكام المسؤولية المشتركة في قانون النسيج.

إلا أن القانون حظي بتأييد نحو 200 منظمة واتحاد وعلامة تجارية منها "ريفورميشين" و"إيفرلاين" (Everlane) و"مارا هوفمان" (Mara Hoffman) و"دوين" (Doen).

أشعل هذا القانون فتيل جدال حول ما إذا ينبغي أن تكون الحكومات أو العلامات التجارية مسؤولة عن تدقيق الممارسات العمالية التي يعتمدها المتعاقدون.

قالت ميلر من "ليفتي": "ليس ملائماً جعلنا ومعنا جميع علامات الموضة وشركات البيع بالتجزئة نقوم بدور الشرطة والإشراف على ممارسات الشركات الأخرى وسجلات الأجور، نحن عملاء ولسنا هيئات حكومية ناظمة".
تعاني الوكالات الحكومية ومنها مكتب مفوضية العمالة في كاليفورنيا من نقص في الموظفين، وتواجه تحديات في فرض تنفيذ قوانين العمل في الصناعات كافة.

تعاونت الولاية مع منظمات مناصرة للعمال، منها "مركز عمال الملابس" في لوس أنجلوس للمساعدة في إرشاد الشركات والموظفين حول كيفية الامتثال لأحكام القانون.

تقول ماريا إيلينا دورازو، عضو مجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا، التي كانت المعدّة الرئيسية للتشريع: "في كل مرة تجري محاولة لفعل شيء ما لفرض قوانين العمل هذه، فإنهم يجدون ثغرة أو طريقة أخرى لتجاوز روح القانون. علينا فعلاً تركيز مواردنا وطاقتنا وإبداعنا وانفتاحنا. لا بد أن يكون هذا عملاً مستمراً".

يمكن لزيادة طلب المستهلكين على ما يُسمى بالموضة الأخلاقية أن يسهم للحدّ من هجرة صنّاع الملابس الأميركيين إلى الخارج. سيحمي الحفاظ على جزء من التصنيع في أرض الوطن من تعطيل أو تأخير الإنتاج إذا ما شهدت دول أخرى نزاعات جيوسياسية أو أحداثاً مناخية أو انتشاراً للأوبئة، وهي عوامل ساهمت جميعها في اختناقات سلاسل التوريد في السنوات الأخيرة.

قالت ميلر: "شهدنا أهمية التصنيع المحلي خلال الوباء عندما ضخّت صناعتنا الكمامات وأردية المستشفيات حين تراجعت الإمدادات. نرى الآن أن قاعدة الإنتاج تتقلص بدلاً من أن تنمو".

عاجل