رئيس التحرير
أحمد ناصف
رئيس التحرير
أحمد ناصف

أمريكا والصين تُشعلان حرب السيطرة.. من يفوز بالصراع على ثروات القمر؟

نشر
مستقبل وطن نيوز

بعد أن قلبت الحرب الروسية في أوكرانيا الوضع الجيوسياسي العالمي رأساً على عقب، صرّح الرئيس الأمريكي جو بايدن قائلاً: "سيكون هناك نظام عالمي جديد، وعلينا أن نقوده". وبعيداً عن كوكب الأرض، فإن هذا التحوّل يحدث بالفعل -هذا وفقًا لما نشرته الشرق بلومبرج-.

تماماً كما كان الوضع في عصر مركبات "سبوتنيك" و"أبولو" الفضائية، منذ أكثر من نصف قرن، يتسابق قادة العالم مرة أخرى لتحقيق الهيمنة في الفضاء الخارجي، غير أن هناك اختلافاً واحداً كبيراً، وهو أنه بينما اتفقت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقاً في الأمم المتحدة لوضع مجموعة مشتركة من القواعد، إلا أنه في هذه المرة لا تستطيع القوى العظمى في العالم الاتفاق حتى على المبادئ الأساسية لإدارة الجيل القادم من النشاط الفضائي.

يعدّ الافتقار إلى التعاون بين الولايات المتحدة والصين في مجال استكشاف الفضاء خطيراً على نحو استثنائي في عصر أصبح فيه الكون أكثر ازدحاماً. يطلق المليارديرات مثل إيلون ماسك وجيف بيزوس جنباً إلى جنب مع الأسواق الناشئة مثل رواندا والفلبين المزيد والمزيد من الأقمار الصناعية لسد الفجوة الرقمية واستكشاف الفرص التجارية.

الخطر الأكبر

تزداد المخاطر عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة والصين، اللتين تقيمان حواجز اقتصادية باسم الأمن القومي مع اتساع الانقسامات الأيديولوجية حول الوباء، والقمع السياسي، وحالياً حرب فلاديمير بوتين. ولا تهدد عدم قدرتهم على التعاون في الفضاء بحدوث سباق تسلح فحسب، بل إنها تخاطر أيضاً بصدامات حول استخراج موارد تقدر بمئات المليارات من الدولارات على القمر، وفي أي مكان آخر.

بحسب مالكولم ديفيس، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأسترالية، والذي يبحث الآن في سياسة الفضاء في معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي، الذي يتخذ من كانبيرا مقراً له فإن: "قلقنا في الغرب يتعلق بشكل أكبر بشأن من يضع قواعد الطريق، وخاصة الوصول إلى الموارد".

ويضيف: "الخطر الأكبر هو أن لديك مجموعتان متعارضتان من القواعد... يمكن أن يكون لديك شركة صينية على سطح القمر في ثلاثينيات القرن الحالي تطالب بأراضٍ بها موارد، بنفس الطريقة التي يطالب بها الصينيون ببحر الصين الجنوبي بأكمله".

الآن، تعكس الجغرافيا السياسية للفضاء، التي كانت ذات يوم جبهة جمعت المنافسين معاً من أجل مصلحة البشرية، المنافسة على الأرض بين الولايات المتحدة وحلفائها ضد الصين وروسيا. ومثلما ألقت بكين وموسكو باللوم على التحالفات العسكرية الأمريكية في أوروبا، وآسيا لإذكاء التوترات بشأن أوكرانيا وتايوان، حذرت وسائل الإعلام الصينية التي تديرها الدولة من أن الولايات المتحدة تريد الآن إنشاء "الناتو الفضائي".

صراع الاتفاقيات

في قلب النزاع هناك اتفاقيات "أرتميس" التي صاغتها الولايات المتحدة، وهي مجموعة مبادئ غير ملزمة قانوناً تهدف لتنظيم النشاط على القمر والمريخ وما هو أبعد منهما. هذه المبادرة، التي تقول "ناسا" إنها تستند إلى معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، تشكل الأساس لجهود وكالة الفضاء لوضع رواد فضاء على سطح القمر في هذا العقد، وبدء عمليات التنقيب عن الموارد القمرية المربحة.

حتى الآن وافقت 19 دولة على دعم الاتفاقيات، بما في ذلك أربع دول - رومانيا وكولومبيا والبحرين وسنغافورة - التي وقعت بعد غزو بوتين ضمن الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لعزل روسيا. وما يؤكد على وجود انقسام، هو أن أوكرانيا كانت من أوائل الأعضاء في نادي "أرتميس" بعد انضمام حكومة الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى الاتفاقيات في أواخر عام 2020.

في خطاب ألقته يوم 18 أبريل في قاعدة "فاندنبرج" للقوة الفضائية، التي تقع على بعد حوالي 160 ميلاً (250 كيلومتراً) شمال غرب لوس أنجلوس، قالت نائبة الرئيس كامالا هاريس، إن الاتفاقات هي جزء من جهد تقوم به إدارة بايدن لإنشاء "مجموعة واسعة وشاملة من المعايير للفضاء".

وأضافت: "بينما نمضي قدماً، سنظل نركز على كتابة قواعد جديدة للطريق لضمان إجراء جميع الأنشطة الفضائية بطريقة مسؤولة وسلمية ومستدامة... الولايات المتحدة ملتزمة بقيادة الطريق وبأن تكون مثالاً يحتذى به".

قادت الصين وروسيا معارضة الاتفاقيات، وتعهدتا في أوائل فبراير بتعاون فضائي أكبر كجزء من شراكة "بلا حدود" عندما زار بوتين الرئيس شي جين بينغ في بكين قبل وقت قصير من بدء الحرب. ويروج البلدان بشكل مشترك لمشروع بديل على القمر يقولون إنه مفتوح لجميع البلدان الأخرى، ألا وهو "محطة أبحاث القمر الدولية".

مناطق الأمان

تتمثل إحدى المشكلات الرئيسية التي تراها الصين في "اتفاقيات أرتميس" في بند يسمح للدول بتحديد مناطق على القمر كـ"مناطق أمان" – أي مناطق على سطح القمر يجب على الآخرين تجنبها. بالنسبة للأمريكيين وشركائهم في اتفاقيات "أرتميس"، فإن المناطق الحصرية هي وسيلة للامتثال للالتزامات التي تنص عليها معاهدة الفضاء الخارجي، التي تتطلب من الدول تجنب "التداخل الضار" في الفضاء.

ومع ذلك، بالنسبة للصين، فإن "مناطق الأمان" هي عبارة عن عمليات استيلاء مُقنّعة على الأراضي، ما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي. تريد بكين تسوية عملية وضع أي قواعد في الأمم المتحدة، حيث يمكنها الاعتماد على الدعم من مجموعة أكبر من الدول المتلهفة لإقامة علاقات ودية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

في يناير الماضي، أعلنت صحيفة "تشاينا ديلي" الرسمية في مقال افتتاحي انتقدت فيه كيف "ابتكرت" وكالة "ناسا" مفهوم "مناطق الأمان" للسماح للحكومات أو الشركات بحجز مناطق على القمر: "لقد حان الوقت بالنسبة للولايات المتحدة أن تدرك حقائق الوضع... لم يعد العالم مهتماً بمخططاتها المهيمنة والتقسيمية".

استبعاد الصين

لدى الصين سبب وجيه للشك في جهود الولايات المتحدة في الفضاء، فالتشريع الأمريكي الذي تم تمريره لأول مرة في عام 2011 يمنع وكالة "ناسا" من معظم عمليات التواصل مع نظيرتها الصينية، كما منعت الولايات المتحدة الصين من المشاركة في محطة الفضاء الدولية - وهي خطوة دفعت بكين ببساطة إلى بناء محطتها الخاصة.

بحسب لينكولن هاينز، الأستاذ المساعد في كلية الحرب الجوية الأمريكية، والذي درس برنامج الفضاء الصيني فإنه: "تم استبعاد الصين من هذا النظام والآن هي تسير على دربها الخاص... وهذا يزيد من التحدي فيما يتعلق بما إذا كان يمكنك الحصول على نظام متماسك من القواعد في الفضاء الخارجي عندما يكون لديك رؤيتان مختلفتان للنظام ولا يوجد أي تعاون".

في أواخر أبريل، أشار دميتري روغوزين مدير وكالة الفضاء الاتحادية الروسية، المعروفة باسم "روسكوزموس" إلى أن روسيا قررت الانسحاب من محطة الفضاء الدولية بسبب العقوبات الغربية المفروضة على روسيا جراء غزوها لأوكرانيا.

في حين أن برنامج الفضاء الروسي كان في حالة من التراجع بالفعل قبل حرب بوتين، تتحرك الصين بسرعة نحو هدف الرئيس شي المتمثل في مضاهاة القدرات الأمريكية في الفضاء. وفي عام 2019، أصبحت الصين أول دولة ترسل مسباراً إلى الجانب البعيد من القمر، وفي العام الماضي أصبحت ثاني دولة فقط بعد الولايات المتحدة تهبط بمتجول على سطح المريخ.

ناسا الصينية

في 10 مارس، أطلقت الصين صاروخ "لونغ مارش" من مقاطعة جزيرة هاينان الجنوبية لإيصال شحنات إلى محطة "تيانجونغ" الفضائية، وهي المركبة الفضائية التي تخطط بكين لإكمالها هذا العام - مما يجعل الصين الدولة الوحيدة التي تشغل محطتها الفضائية الخاصة. في الشهر التالي، أمر الرئيس الصيني شي المسؤولين ببناء موقع رائد عالمياً لإطلاق المركبات الفضائية في هاينان.

قال شي في مقدمة الكتاب الأبيض حول برنامج الفضاء الصيني الذي صدر في شهر يناير الماضي، إن الصين تخطط لإطلاق مهمة قمرية آلية حوالي عام 2025. وقد تتمكن الصين من إرسال رواد فضاء إلى القمر لأول مرة بحلول عام 2030، حسبما قال يي بيجيان، كبير مصممي المسبار القمري الصيني الأول، لوسائل الإعلام الحكومية آنذاك.

من جانبها، تقول ميشيل هانلون، المديرة المشاركة لمركز قانون الجو والفضاء في جامعة ميسيسيبي ورئيسة تحرير "مجلة قانون الفضاء": "تريد الصين بشدة أن يُنظر إليها على أنها وكالة ناسا المستقبل... تريد أن تكون ذاك القائد... الصين تشعر أن الزمن هو زمن الصين".

نظراً لأن الولايات المتحدة والصين ودول أخرى تستهدف القمر، باتت الحاجة إلى وضع قواعد لتجنب صراع أكثر إلحاحاً.

في أبريل، أجرت وكالة "ناسا" اختبارات لإطلاق "أرتيمس 1"، وهي أول مركبة فضائية أمريكية تستهدف القمر منذ "أبولو 17" في عام 1972. وفي حين أن هذه المهمة ستكون آلية بالكامل، فإن هدف "ناسا" هو إرسال رواد فضاء إلى القمر في عام 2025 تقريباً - بما في ذلك أول امرأة - وبناء معسكر كقاعدة على سطح القمر.

بدورها، ستقوم شركة "سبيس إكس" التابعة لإيلون ماسك بإجراء رحلة تجريبية من تكساس في الأشهر القليلة المقبلة لصاروخها الجديد "ستارشيب"، الذي تخطط شركة "سبيس إكس" لاستخدامه لنقل البشر إلى القمر والمريخ.

لدى كل من اليابان وكوريا الجنوبية - الموقعتين على اتفاقية "أرتميس" - مهمات قمرية قيد العمل. وكذلك فعلت الهند، أكبر دولة ترتاد الفضاء حتى الآن، التي لم تلتزم بعد بالفرق الأمريكية أو الصينية الروسية. كما تعهد بوتين الشهر الماضي "بإعادة إحياء برنامج القمر".

داخل اللعبة

يقول ستيفن فريلاند، نائب رئيس مجموعة العمل المعنية بالجوانب القانونية لنشاط موارد الفضاء في "لجنة استخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية" التابعة للأمم المتحدة: "القمر أصبح داخل اللعبة". ويتوقع فريلاند، الأستاذ الفخري في القانون الدولي بجامعة "ويسترن سيدني"، أن يرى بداية جهود استخراج الموارد من سطح القمر بحلول نهاية العقد.

على عكس الأرض، قد يحتوي القمر على كميات كبيرة من (هيليوم-3) وهو نظير يحتمل أن يكون مفيداً لمحطات الطاقة النووية كبديل لليورانيوم لأنه ليس مشعاً. في عام 2019، قالت وسائل الإعلام الحكومية الصينية إن القمر "يُشار إليه أحياناً باسم الخليج العربي للنظام الشمسي"، إذ إن الخبراء يعتقدون أنه بالإمكان استبدال 5000 طن من الفحم بنحو ثلاث ملاعق كبيرة من (هيليوم-3).

على الرغم من عدم وجود دليل حتى الآن على أن (هيليوم-3) يمكنه فعل ما يدعيه مناصروه، إلا أن الباحثين الصينيين يبحثون بالفعل عن العنصر في صخور القمر التي أعيدت إلى الأرض في أواخر عام 2020، بواسطة إحدى الرحلات القمرية الصينية. ويمكن أن يثبت القمر أيضاً أهميته كمصدر للمياه، تأخذ من الجليد في قطبي القمر، لصنع وقود صاروخي يمكنه تشغيل البعثات إلى المريخ وأماكن أخرى في النظام الشمسي.

في الوقت الحالي، يبدو أن الولايات المتحدة هي المتقدمة في كسب الدول لتبني تفسيرها لقواعد العمل في الفضاء. وبينما اكتسبت "اتفاقيات أرتميس" دولتين موقعتين جديدتين، لا تزال الصين تنتظر قائداً آخر إلى جانب بوتين لينضم إلى "محطة أبحاث القمر الدولية".

أقمار إيلون ماسك

في مارس، ذكرت وسائل الإعلام الحكومية الصينية أن المفاوضات جارية مع وكالة الفضاء الأوروبية، وتايلاندا، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية بشأن مشاركتهم في قاعدة القمر المنافسة. لكن من المرجح أن تجعل الحرب الروسية في أوكرانيا المشروع أقل جاذبية بالنسبة لبعض الدول.

في 17 مارس، علقت وكالة الفضاء الأوروبية خطة لإرسال مركبة هبوط روسية الصنع إلى المريخ في سبتمبر أو أكتوبر، بعد أن ألغت شركة "ون ويب" (OneWeb) للأقمار الصناعية، التي تتخذ من المملكة المتحدة، مقراً لها، خططاً لإطلاق أقمار صناعية في مدار أرضي منخفض على متن صواريخ روسية.

يقول جوناثان ماكدويل، عالم الفيزياء الفلكية في مركز الفيزياء الفلكية، الذي تديره جامعة هارفارد ومعهد "سميثسونيان": "سيكون التأثير على برنامج الفضاء الروسي كارثياً".

على الرغم من أن الصين لا تحتاج إلى الخبرة الروسية، فإن حسابات الرئيس شي الاستراتيجية طويلة الأمد تعني أنه من غير المرجح أن تتخلى بكين عن موسكو في محاولة منها لكسب المزيد من الشركاء المحتملين. ودعا كبير مسؤولي الفضاء لدى بوتين بالفعل إلى تعاون أكبر مع الصين.

في هذا السياق، قال روغوزين، مدير "روسكوزموس"، في مقابلة مع محطة "سي جي تي إن" الصينية التي تديرها الدولة: "إننا نعمل بشكل جيد مع أصدقائنا الصينيين، ولكي نكون أصدقاء في الفضاء، يجب أن نكون أصدقاء على الأرض".

يبدو أن الأمر نفسه ينطبق على الخصوم. ففي علامة على الخطأ الذي يمكن أن يحدث دون وجود مجموعة مشتركة من القواعد في الفضاء، تبادلت الولايات المتحدة والصين الاتهامات في الأشهر الأخيرة بشأن حادثتين حصلتا في العام الماضي حول أقمار صناعية أطلقتها شركة "سبيس إكس" التابعة لماسك، التي قالت بكين إنها اقتربت بشكل خطير من مدار محطتها الفضائية.

تجنب الصدام

بعد أن قدمت الصين شكوى إلى الأمم المتحدة، قالت الولايات المتحدة إن الإخطار لم يكن ضرورياً – في إشارة ضمنية إلى أن بكين بالغت بالخطر. أثار ذلك غضب الصين أكثر، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية، تشاو لي جيان، إن الولايات المتحدة لم ترد على رسائل البريد الإلكتروني لمناقشة الحادث ولم "تُظهر الموقف المسؤول الواجب كقوة فضائية".

تشير الحادثة إلى مشكلة الصين الأكبر مع "اتفاقيات أرتميس"، إذ "تشعر بكين بالانزعاج من استبعادها من العملية والضغط عليها لقبول المبادئ التي صاغتها الولايات المتحدة بدلاً من الأمم المتحدة"، وفقاً لجيسيكا ويست، مديرة التحرير في مشروع مؤشر أمن الفضاء التابع لـ"مشروع بلوشير"، وكبيرة الباحثين في معهد أبحاث السلام التابع للمجلس الكندي للكنائس.

تضيف ويست أن الصراع حول من يضع القواعد يظهر أنه لدى العالم الكثير من العمل المتبقي لتجنب الاصطدام في الفضاء. وتقول: "إنني لست متأكدة من أن الناس توقعوا تفجر النشاط الفضائي الذي حدث... نحن لسنا مستعدين بشكل كاف".

عاجل