«الحر الشديد» أم «موسم التكاثر»؟.. سر الانتشار المفاجئ للثعابين في المحافظات
شهدت عدة محافظات خلال الأيام الماضية تكرارا لوقائع ظهور الثعابين داخل القرى والأراضي الزراعية وعلى امتداد الترع والمصارف، وكذا عدة مدن؛ وهو ما أثار حالة من القلق بين المواطنين بعد تداول مقاطع مصورة وثقت وجودها بالقرب من المناطق السكنية.
ومع تزايد هذه المشاهد، برزت تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة، وما إذا كانت ترتبط بالتغيرات المناخية والظروف البيئية، أم أنها تعد سلوكا طبيعيا يتكرر مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة.
وفي هذا السياق، قدم عدد من المتخصصين تفسيرات علمية توضح أسباب زيادة ظهور الأفاعي، مع التأكيد على ضرورة تجنب الانسياق وراء المعلومات غير الدقيقة المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الكوبرا وخطورة سمها
قال رئيس قسم الحياة البرية وحدائق الحيوان عاطف محمد كامل أحمد، لـ«العربية» إن ظهور ثعابين الكوبرا داخل مزارع الأرز بقرية القرارة التابعة لمركز منيا القمح في محافظة الشرقية، وما صاحبه من حوادث لدغ، تسبب في حالة من الخوف بين الأهالي، خاصة بعد تسجيل عدد من الإصابات، الأمر الذي استدعى تدخل الجهات المختصة للتعامل مع الموقف وتقليل احتمالات تكرار هذه الحوادث.
وأوضح أن الكوبرا تعد من أخطر الثعابين السامة، إذ يحتوي سمها على مواد تؤثر بشكل مباشر في الجهاز العصبي، وقد تتسبب في شلل عضلات التنفس ثم الوفاة إذا لم يحصل المصاب على المصل المضاد والرعاية الطبية بصورة عاجلة، مؤكدا أن سرعة التعامل مع المصاب تمثل العامل الأهم في إنقاذ حياته.
وأوضح رئيس قسم الحياة البرية أن ظهور الكوبرا في مزارع الأرز خلال هذه الفترة من العام يرتبط بعوامل بيئية واضحة، حيث توفر الحقول المغمورة بالمياه بيئة مناسبة لحركة الثعابين واختبائها، كما تتميز بدرجات رطوبة تساعدها على البقاء، إضافة إلى توافر مصادر غذائها الرئيسية مثل القوارض والضفادع التي تنتشر بكثرة في الأراضي الزراعية الرطبة والمصارف والترع.
وأضاف أن ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف يدفع الثعابين إلى مغادرة جحورها بحثا عن أماكن أكثر برودة ورطوبة، كما يتزامن هذا التوقيت مع موسم النشاط والتكاثر لدى العديد من أنواعها، وهو ما يزيد من فرص ظهورها واحتكاكها بالإنسان.
إجراءات وقائية للحد من المخاطر
وشدد رئيس قسم الحياة البرية وحدائق الحيوان على أهمية التزام العاملين في الأراضي الزراعية بإجراءات السلامة أثناء العمل، مشيرا إلى ضرورة ارتداء الأحذية المطاطية الطويلة والملابس التي تغطي الساقين، مع توخي الحذر عند السير وسط النباتات الكثيفة أو أثناء رفع أكوام القش والأخشاب وتنظيف المصارف، لأن هذه الأماكن قد تستخدمها الثعابين للاختباء.
علاقة الكلاب الضالة بانتشار الثعابين
من جانبها، أكدت وكيل النقابة العامة للأطباء البيطريين سابقا شيرين زكي أن تكرار حوادث لدغ الكوبرا خلال الأيام الأخيرة صاحبه انتشار معلومات غير دقيقة، أبرزها الادعاء بأن انخفاض أعداد الكلاب الضالة تسبب في زيادة انتشار الثعابين.
وأوضحت أن هذا الربط لا يستند إلى أي دليل علمي، مؤكدة أن الكلاب الضالة لا تعد المكافح البيولوجي الطبيعي للثعابين، ولم تثبت أي دراسة أن تراجع أعدادها يؤدي إلى زيادة ظهور الكوبرا أو غيرها من الأنواع السامة، داعية إلى الاعتماد على الحقائق العلمية بدلا من تداول الشائعات.
النمس وعلاقته بانتشار الثعابين
وأشارت شيرين زكي إلى أن ظهور الكوبرا في بعض المحافظات يرتبط بمجموعة من العوامل الطبيعية والبيئية، إلى جانب تدخلات بشرية أثرت في التوازن البيئي.
وأوضحت أن الأراضي الزراعية، وخاصة مزارع الأرز، توفر بيئة مثالية لانتشار الضفادع والقوارض الصغيرة التي تمثل الغذاء الأساسي للكوبرا، وهو ما يجعل هذه المناطق جاذبة لها بشكل طبيعي.
وأضافت أن النمس المصري يعد من أهم المفترسات الطبيعية للثعابين السامة، إذ يتمتع بسرعة كبيرة وقدرة عالية على المناورة، إلى جانب خصائص بيولوجية تقلل من تأثره بالسموم العصبية الموجودة في سم الأفاعي، كما يمتلك حاسة شم قوية تساعده على تتبع أماكن وجودها.
وأعربت زكي عن أسفها لتراجع أعداد النمس المصري في العديد من المناطق بسبب الصيد الجائر أو قتله من قبل بعض المزارعين اعتقادا بأنه يضر الدواجن أو المحاصيل، مؤكدة أن هذا الحيوان يؤدي دورا بيئيا مهما في الحد من انتشار الثعابين، وأن اختفاءه يؤدي إلى اضطراب التوازن الطبيعي داخل البيئة الزراعية ويزيد من فرص انتشار الزواحف السامة.
التوسع العمراني وتغير البيئة الطبيعية
وأضافت أن هناك عوامل أخرى ساهمت في زيادة احتكاك الثعابين بالإنسان، من بينها تجريف الأراضي الزراعية، وإزالة الغطاء النباتي على جوانب الترع والمصارف، والإفراط في استخدام المبيدات الزراعية، فضلا عن التوسع العمراني وشق الطرق الجديدة، وهي ممارسات أثرت في الموائل الطبيعية للكثير من الكائنات البرية، ودَفعت الثعابين إلى الانتقال نحو مناطق أقرب إلى التجمعات السكانية بحثا عن بيئة مناسبة.
حلول مستدامة لمواجهة الظاهرة
واختتمت شيرين زكي تصريحاتها بالتأكيد على أن التعامل مع زيادة ظهور الثعابين يجب أن يعتمد على حلول علمية مستدامة تقوم على الحفاظ على التوازن البيئي، ومكافحة القوارض، وحماية الكائنات النافعة، إلى جانب دراسة التوسع في وسائل المكافحة البيولوجية الطبيعية، بما يسهم في الحد من انتشار الثعابين دون الإضرار بالنظام البيئي أو الكائنات الأخرى.