رئيس التحرير
أحمد ناصف
رئيس التحرير
أحمد ناصف

كيف تستطيع هواتف أندرويد استشعار الزلازل قبل وقوعها؟

نشر
هواتف أندرويد
هواتف أندرويد

في لحظة واحدة يمكن أن تتحول الأرض إلى مصدر تهديد غير متوقع مع وقوع زلزال مفاجئ، لكن ما يثير الدهشة أكثر هو أن بعض هواتف أندرويد أصبحت قادرة على رصد هذه الاهتزازات قبل وصولها بثوانٍ قليلة، وهي ثوانٍ قد لا تبدو طويلة، لكنها قد تكون كافية لإنقاذ حياة الكثيرين أو تقليل حجم الأضرار بشكل كبير، هذه الفكرة لم تعد خيالًا علميًّا، بل نظامًا حقيقيًّا طورته جوجل ليحوّل مليارات الهواتف حول العالم إلى شبكة إنذار مبكر ضخمة تعمل بشكل متزامن لرصد الزلازل وتحذير المستخدمين في الوقت المناسب

بداية فكرة نظام الإنذار المبكر
 

انطلقت جوجل في عام 2021 نحو بناء منظومة Android Earthquake Alerts بهدف مختلف عن الأنظمة التقليدية التي تعتمد على محطات رصد ثابتة، حيث قررت استغلال الانتشار الواسع لهواتف أندرويد حول العالم لتكوين شبكة استشعار ضخمة منخفضة التكلفة وقابلة للتوسع بسرعة، بدلًا من بناء بنية تحتية جديدة باهظة، اعتمدت الشركة على المستشعرات الموجودة داخل الهواتف لتحويلها إلى أدوات لرصد الاهتزازات الأرضية في الوقت الفعلي

انتشار النظام وتحوله إلى شبكة عالمية
 

مع مرور الوقت تحولت التجربة من مشروع بحثي إلى شبكة عالمية فعّالة تغطي نحو 100 دولة، حيث أصبحت الهواتف الذكية نقاط رصد صغيرة تعمل معًا لتكوين صورة عامة عن النشاط الزلزالي، ومع توسع النظام لم يقتصر الأمر على الهواتف فقط، بل شمل أيضًا الساعات الذكية العاملة بنظام Wear OS، مما زاد من فرص وصول التنبيهات للمستخدمين حتى في حال عدم حمل الهاتف

حجم البيانات والنتائج المحققة
 

في دراسة نُشرت عام 2025 بالتعاون مع باحثين في دورية Science، أوضحت جوجل أن النظام تمكن خلال 4 سنوات من رصد أكثر من 18000 زلزال تراوحت قوته بين 1.9 و7.8 على مقياس ريختر، كما تم إرسال حوالي 790 مليون تنبيه إلى المستخدمين حول العالم، وتشير البيانات أيضًا إلى أن عدد الأشخاص الذين أصبحوا قادرين على تلقي إنذارات مبكرة ارتفع من 250 مليون شخص في عام 2019 إلى حوالي 2.5 مليار شخص بعد انتشار النظام

كيف تعمل هواتف أندرويد على رصد الزلازل؟
 

يعتمد النظام بشكل أساسي على مستشعر التسارع الموجود داخل الهاتف، وهو المستشعر المسؤول عن قياس الحركة وتحديد اتجاه الجهاز، لكن جوجل أعادت توظيفه ليصبح أداة لرصد الاهتزازات الناتجة عن الزلازل، فعندما يكون الهاتف في وضع ثابت يمكنه التقاط الموجات الزلزالية الأولية المعروفة باسم P Waves، وهي موجات سريعة لكنها غير مدمرة، وبعدها تصل الموجات الثانوية S Waves الأكثر قوة وتدميرًا، وهنا يأتي دور النظام الذي يستغل الفارق الزمني بين الموجتين لتحليل البيانات وإرسال التحذيرات قبل وصول الاهتزازات الأقوى

آلية جمع البيانات وتحليلها
 

عندما يلتقط هاتف واحد إشارة اهتزاز غير طبيعية يقوم بإرسال بيانات أولية تشمل الموقع التقريبي دون تفاصيل دقيقة تحافظ على خصوصية المستخدم، ثم تقوم جوجل بجمع البيانات من عدد كبير من الهواتف في نفس المنطقة وتحليلها باستخدام خوارزميات متقدمة، وإذا توافقت الإشارات من عدة مصادر يتم التأكد من وقوع زلزال حقيقي وليس مجرد حركة محلية أو اهتزاز عابر، بعدها يتم تحديد مركز الزلزال وتقدير قوته واتجاه انتشاره

التحدي الأكبر في تقدير قوة الزلزال
 

أحد أصعب التحديات التي تواجه النظام هو تقدير قوة الزلزال خلال الثواني الأولى، لأن أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى نتائج سلبية، فالتقليل من القوة قد يترك مناطق دون تحذير كافٍ، بينما المبالغة قد تسبب إنذارات غير ضرورية تقلل من ثقة المستخدمين، لذلك يعتمد النظام على تحديث مستمر للبيانات مع وصول قراءات جديدة من الهواتف، وقد نجحت جوجل في تقليل هامش الخطأ من 0.50 درجة إلى 0.25 درجة خلال السنوات الأخيرة، مما رفع من دقة النظام بشكل ملحوظ

أنواع التنبيهات التي يرسلها النظام
 

يعتمد النظام على نوعين من التنبيهات، الأول هو BeAware Alert ويستخدم في الحالات التي يُتوقع فيها اهتزازات خفيفة أو متوسطة بهدف تنبيه المستخدم دون إثارة الذعر، أما النوع الثاني فهو TakeAction Alert ويستخدم عند توقع هزات قوية، حيث يظهر على الشاشة بشكل كامل مع صوت مرتفع حتى في الوضع الصامت لضمان انتباه المستخدم واتخاذ إجراءات فورية للحماية

اختبارات واقعية ونتائج ميدانية
 

خلال زلزال ضرب الفلبين في نوفمبر 2023 بلغت قوته 6.7 درجة، تمكن النظام من إرسال أول تنبيه بعد 18.3 ثانية فقط من بداية الزلزال، حيث حصل بعض المستخدمين القريبين من مركز الزلزال على حوالي 15 ثانية من التحذير، بينما حصل آخرون في مناطق أبعد على ما يقارب دقيقة كاملة للاستعداد، وقد استفاد من هذا الحدث وحده حوالي 2.5 مليون شخص تلقوا التنبيهات في الوقت المناسب

ما بين التكنولوجيا والعلوم الطبيعية يظهر نظام جوجل لرصد الزلازل على هواتف أندرويد كواحد من أكثر الابتكارات ارتباطًا بحياة الإنسان اليومية، فهو يحوّل جهازًا بسيطًا في جيبك إلى جزء من شبكة عالمية قادرة على رصد كوارث طبيعية محتملة ومنح الناس فرصة ثمينة للاستعداد قبل وقوعها ولو لثوانٍ قليلة قد تصنع الفرق بين الحياة والموت.