«أولى الليالي الوترية في العشر الأواخر».. ليلة القدر فضائلها وعلاماتها وكيفية اغتنام فرصة العمر
ليلة القدر من أعظمِ الليالي التي بارك الله بها أمتنا، هي نفحةٌمن نفحات السماء على الأرض، ليلة تتسابق فيها القلوب نحو أنوار ربِّها، وتضيق الأرض بملائكتها، هي ميراثُ النبوة الخالد الذي يجدد في النفوس العهد مع الله ومع كتابه الكريم، ليلةٌ تُفتح فيها أبواب الرحمة، ويغمرها فضل الله وكرمه، وتُستجاب فيها الدعوات، وتُضاعف الحسنات، فاغتنمها كل من أراد القرب من ربه والتجَلّي بأنوار القرآن والعبادة.
أسرار التسمية ودلالات القدر
لقد خصّ الله هذه الليلة باسمها العظيم "ليلة القدر" لتدلَّ على جلال شأنها وعلو منزلتها، فهي ليلةٌ تُقدَّر فيها المقادير وتُبرم أحكام السنة، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: يُكتب في أمِّ الكتاب ما سيكون في السنة من الخير والشرِّ والأرزاق والآجال.
وهي ليلةٌ عظيمة الشأن، أنزل فيها القرآن على رسول كريم لأمة ذات قدر، وعبادتها تزن عند الله أكثر من عبادة 83 سنة، فهي ليلة الشرف والفضل العظيم التي تتصل فيها السماء بالأرض بنزول الوحي الخالد.
التماس الأنوار في العشر الأواخر
المنهج النبوي الشريف يوجّه المسلمين لطلب هذه الليلة في العشر الأواخر من رمضان، والوتر منها هو الأكد، فقد حَدَّد النبي ﷺ التحرّي في الليالي السبع الأخيرة، وقد مال كثير من العلماء لليلة السابع والعشرين بقرائن روحية، إلا أن الاجتهاد في جميع العشر الأواخر يفتح باب الفضل على السالكين ويزيد فرصة اغتنام البركة العظمى.
حكمة إخفاء ليلة القدر والتحذير من الشحناء
رفع الله تعيين وقت ليلة القدر حكمةً عظيمة، فهي تبقي المسلم في يقظة مستمرة وتجنب الغرور والتواكل، كما أن من الحكمة التنبيه على شرِّ الشحناء والبغضاء التي تفسد القلوب وتقطع الأرحام، فالله جعل من غايات ليلة القدر تهذيب النفوس وطهارة القلوب لتكون أوعية لاستقبال رحمة الله ونفحات الملائكة، ومن هنا جاءت هذه الليلة لتكون مدرسة للصفاء ووسيلة لتربية النفوس على الرحمة والمودة.
من علامات ليلة القدر
لليلة القدر علاماتٌ تميزها وتبشّر أهل القرب منها، من بينها طلوع الشمس في صباحها بيضاء لا شعاع لها، وليلةٌ طَلقةٌ لا برد فيها ولا حر، وتفيض الأرض فيها بالملائكة أكثر من عدد الحصى، وهي ليلةٌ تتجلّى فيها السكينة على النفوس ويُذوق أهلها جمالها الروحاني الذي يرفع عنهم شهوات الدنيا ويملأهم أنوار التقوى والتجلّي.
برنامج أهل الله في ليلة القدر
على السالكين اقتفاء أثر النبي ﷺ في هذه الليلة المباركة، فالاعتكاف في المسجد يجمع القلب على الله والابتعاد عن شواغل الدنيا، ومواظبة قراءة القرآن والمدارسة مع الجود والكرم، والقيام بالليل إيمانًا واحتسابًا، وإيقاظ الأهل لتعمّ البركة على البيوت، والإكثار من الدعاء والاستغفار وطلب العفو من الله، فهو سبيل الفوز بالغفران واغتنام الثواب العظيم، وما كان ذلك إلا على نهج المصطفى ﷺ واجتهاد السالكين للارتقاء بالروح نحو ربّها.
كيفية اغتنام الحائض والنفساء لليلة القدر
الحائض والنفساء يمكنهنّ اغتنام هذه الليلة بالابتعاد عمّا يمنعهنَّ الشرع عن العبادة، والانقطاع لما يقدرن عليه من الطاعات والقربات، من ذكر واستغفار وتسبيح وتهليل وتكبير، والدعاء بالمأثور وقراءة القرآن بالعين والانصات له، مع النية الخالصة للعبادة، فيكون لهنّ الأجر والثواب على ما قمن به وما حجبته طبيعة العذر الشرعي، ويضاعف الله أجورهنّ على النية والاجتهاد في الإمكان.
ليلة القدر هي موسم التغيير والرحمة والمغفرة
ليلة القدر هي موسم التغيير والرحمة والمغفرة، فاجعلوا قلوبكم صافية لتستقبل أنوار الله وملائكته، وطهّروا النفوس من الكراهية والشحناء، واغتنموا كل لحظة فيها بالدعاء والقيام والذكر والقراءة، واسألوا الله العفو والقبول، وكونوا من الفائزين بشفاعة النبي ﷺ في هذه الليلة المباركة.