مصر تواجه إعصار الطاقة العالمي بزيادة اضطرارية محدودة لأسعار الوقود لضمان استمرار تدفق الإمدادات
مع تصاعد وتيرة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وقيام طهران باستهداف عدد من دول الخليج، شهدت أسعار النفط ارتفاعاً كبيراً خلال الأيام الماضية، وهو ما دفع العديد من دول العالم إلى تحريك أسعار الوقود باتجاه تصاعدي، تماشياً مع ذلك الارتفاع العالمي في الأسعار.
ويأتي إعلان وزارة البترول والثروة المعدنية عن تحريك استثنائي لأسعار كافة أنواع الوقود، استجابةً مباشرة ومحورية للقفزات الحادة في أسعار الطاقة العالمية، والتي أشعلتها الحرب الدائرة حالياً، فمع وصول سعر خام "برنت" إلى حاجز 120 دولاراً للبرميل، أقرت الوزارة زيادة قدرها ثلاثة جنيهات على جميع أنواع الوقود، بهدف حماية الميزانية العامة من التآكل، وضمان استمرار تدفق الإمدادات البترولية؛ وذلك في ظل اضطرابات الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي تعبر من خلاله نحو 20% من تدفقات النفط في العالم.
وبموجب هذا القرار، ارتفع سعر بنزين 95 أوكتان من 21 جنيهاً إلى 24 جنيهاً للتر، بنسبة زيادة بلغت 14.3%، كما ارتفع بنزين 92 أوكتان من 19.25 جنيه إلى 22.25 جنيه بنسبة 15.6%، في حين ارتفع بنزين 80 أوكتان من 17.75 جنيه إلى 20.75 جنيه بنسبة 16.9%، وسجل سعر السولار ارتفاعاً من 17.50 جنيه إلى 20.50 جنيه بنسبة 17.1%.
وتكشف هذه النسب عن أن زيادة أسعار الوقود في مصر لا زالت متواضعة نسبياً مقارنة بالارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام عالمياً، في إطار جهود الدولة لاحتواء تداعيات الأزمة الحالية في المنطقة بأقل كلفة ممكنة على المواطن، وامتصاص جزء كبير من الأعباء الحتمية المترتبة على زيادة السعر العالمي وانعكاساته، مع إمكانية خفض الأسعار للمنتجات البترولية في أقرب وقت ممكن، في حالة انحسار الأزمة الإقليمية الراهنة وتراجع الارتفاعات الجنونية في أسعار النفط في السوق الدولية.
كما يعكس هذا التدرج في نسب الزيادة حرص الدولة على موازنة التكاليف الاستيرادية المتصاعدة، مع الحفاظ على هيكل سعري يراعي الفوارق بين أنواع الوقود المستخدمة في الأغراض التجارية والصناعية والشخصية، مما يحمي المستهلكين من التأثيرات الكاملة للأزمة الناتجة عن الاضطرابات الإقليمية وتعطل إمدادات الوقود العالمية.
وجاء هذا القرار في اليوم العاشر من الضربات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، والتي انطلقت في 28 فبراير الماضي، وأشعلت أعنف أزمة طاقة يشهدها العالم منذ الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022، خاصةً في ظل الهجمات الإيرانية على عدد من دول الخليج، فقد تجاوز سعر خام "برنت" حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أربع سنوات، مقترباً من 120 دولاراً، قبل أن يستقر عند نحو 104 دولارات، في حين سجل خام "غرب تكساس" ارتفاعاً تجاوز 11%، ليعبر حاجز 101 دولار، مسجلاً ارتفاعاً أسبوعياً بلغ 36%.
وفي هذا السياق الاستثنائي، يأتي قرار الحكومة موضوعياً لعدة أسباب، أبرزها أن النفط العالمي يُسعر ويُستورد بالدولار وليس بالجنيه المصري، وبالتالي فإن كل ارتفاع في سعر البرميل يؤدي مباشرة إلى اتساع الفجوة بين التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الحكومة، وسعر البيع للمواطن، وهي فجوة تتحملها الخزينة العامة من موارد الدولة.
كما أن الإبقاء على الأسعار القديمة كان سيؤدي حتماً إلى استنزاف ضخم للاحتياطي النقدي وتراكم متسارع في مديونيات الهيئة المصرية العامة للبترول، حيث إن الزيادة تضمن توفير السيولة اللازمة للهيئة للوفاء بالتزاماتها تجاه الشركاء الأجانب، وتأمين شحنات الوقود في ظل التوترات التي تشهدها ممرات الملاحة الدولية.
كما أن التحريك الفوري للأسعار يقطع الطريق أمام ظهور الأسواق الموازية وعمليات التخزين غير المشروعة التي تنشأ حين يتسع الفارق بين السعر الرسمي وتكلفة السوق الحقيقية، ومع ذلك، فإن الأسعار الجديدة ما زالت لا تعكس التكلفة الحقيقية، لا سيما في السولار وأسطوانات الغاز، مما يعني أن الدولة لا تزال تتحمل جزءاً كبيراً من العبء لتخفيف الأثر على قطاع النقل الجماعي ونقل البضائع.
واللافت للنظر أن مصر رغم قرارها برفع أسعار الوقود، تبقى واحدة من أكثر دول العالم تحفظاً وانضباطاً في التعامل مع هذه الأزمة، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، قفز متوسط سعر البنزين إلى 3.48 دولار للجالون، بزيادة أسبوعية بلغت 16%، فيما ارتفع سعر الديزل بأكثر من 80 سنتاً للجالون في أسبوع واحد.
وفي المملكة المتحدة، بلغ متوسط سعر البنزين 137.51 بنس للتر بعد ارتفاع 4.68 بنس منذ اندلاع الحرب، في حين وصل سعر الديزل إلى 150.97 بنس، وفي الفلبين، سجلت أسعار البنزين زيادة بلغت 7.10 بيزو للتر، والديزل 13.15 بيزو، والكيروسين 10.50 بيزو.
أما الهند، فلجأت إلى تقنين إمدادات الوقود للصناعات، بينما أوقفت مصافي تكرير البترول في الصين بعض وحداتها بسبب شح الخام، في حين بدأت أستراليا تستورد البنزين من الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ عام 2023، لسد الفجوات الناجمة عن اضطراب الإمدادات في آسيا، وفي ألمانيا، تراقب الحكومة أسعار الوقود عن كثب وتدرس تدخلات طارئة لاحتواء الارتفاعات المتواصلة.
ومن ثمّ، يمكن اعتبار هذه الزيادة بمثابة صمام أمان يضمن استمرارية الخدمات الأساسية وتدفق السلع في الأسواق، لا سيما في ظل تعثر سلاسل التوريد العالمية وتصاعد حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة الإقليمية، وبالتوازي مع هذه القرارات، بدأت أجهزة الدولة في تكثيف الرقابة على المواقف العامة والأسواق لضمان عدم استغلال هذه الزيادة في فرض أعباء إضافية غير مبررة على المواطنين، مع استمرار العمل على توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لدعم الفئات الأكثر تأثراً بالتبعات الاقتصادية لهذه الحرب الإقليمية.