الأسواق تراهن على تراجع ترامب عن نزاعه مع إيران رغم المخاوف من حرب ممتدة
يمتلك المستثمرون قناعة تامة بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لديه قدرة كبيرة على تغيير مواقفه بسرعة عندما يواجه ضغوطًا سياسية أو اضطرابات في الأسواق، لكن بعد مرور أسبوع على الضربات الصاروخية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، تزايدت المخاوف من أن يتحول الصراع إلى حرب طويلة الأمد.
من الناحية الاقتصادية، أدى النزاع إلى ما كان يُعد لسنوات السيناريو الأسوأ لأي صراع في الشرق الأوسط، وهو إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم، فمنذ اندلاع القتال ارتفع سعر النفط العالمي بنحو 17% ليصل إلى أكثر من 85 دولارًا للبرميل، ما أحدث صدمة في الأسواق المالية. وفق صحيفة "الجارديان" البريطانية.
وكانت سوق الأسهم الأسترالية أقل تأثرًا نسبيًا، لكنها سجلت خسارة أسبوعية بلغت 3.8%، وفي المقابل تعرضت الأسواق الآسيوية، التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على واردات الطاقة، لضغوط حادة. ففي كوريا الجنوبية هبطت الأسهم بنحو 13% في جلسة واحدة مسجلة أسوأ أداء يومي في تاريخ السوق، أما في الولايات المتحدة، فكان التأثير محدودًا نسبيًا، إذ تراجع مؤشر أكبر خمسمئة شركة مدرجة في البورصة الأمريكية بأقل من 1% قبل نهاية جلسة الجمعة.
وبينما كانت إدارة ترامب تدرس استخدام الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي لتخفيف الضغوط على الأسعار، قال شين أوليفر، كبير الاقتصاديين في شركة «إيه إم بي»، إن الأسواق قد تكون «متراخية قليلًا» في تقدير المخاطر، موضحًا أن رد الفعل المحدود للأسواق فاجأه، مشيرًا إلى أن المستثمرين اعتادوا خلال العام الماضي على صدمات سياسية واقتصادية مرتبطة بقرارات ترامب، خصوصًا الرسوم الجمركية، غالبًا ما يعقبها تراجع أو تعديل في المواقف.
وتعد المشكلة الأساسية للمستثمرين هي أن الدوافع التي دفعت ترامب لبدء الحرب ليست واضحة، وبالتالي من الصعب التنبؤ بما قد يؤدي إلى إنهائها، ونتيجة لذلك تسعّر الأسواق حاليًا سيناريو حرب قصيرة نسبيًا قد تستمر أسبوعين أو ثلاثة فقط، وليس صراعًا يمتد لأشهر، ويدعم هذا التقدير بقاء الدولار الأسترالي فوق مستوى 70 سنتًا أمريكيًا، في إشارة إلى رد فعل هادئ نسبيًا على ما يصفه بعض المحللين بـ«حرب الخليج الثالثة».
وقال راي أتريل، رئيس استراتيجية العملات في بنك أستراليا الوطني، إن صمود العملة الأسترالية يعكس أيضًا كون أستراليا مصدرًا مهمًا للطاقة بفضل صادرات الغاز الطبيعي المسال والفحم، مضيفًا أن الافتراض الأساسي في الأسواق هو أن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز ستُستأنف عاجلًا أم آجلًا، وأن التعطيل لن يستمر طويلًا.
وتشير رهانات الأسواق المالية إلى أن أسعار النفط قد تعود إلى نطاق يتراوح بين 60 و70 دولارًا للبرميل خلال شهر، لكن في حال تعرض السوق لصدمة أكبر وأكثر استمرارًا، فقد ترتفع الأسعار إلى 100 دولار للبرميل، ما قد يؤدي إلى موجة بيع أعمق في الأسواق.
وتشكل صدمة أسعار النفط خطرًا مزدوجًا على الاقتصاد، إذ تدفع التضخم إلى الارتفاع بسبب زيادة تكاليف الوقود، بينما تضغط في الوقت نفسه على النمو الاقتصادي، ويضع ذلك البنوك المركزية أمام معضلة صعبة: هل ترفع أسعار الفائدة لكبح التضخم أم تخفضها لدعم النشاط الاقتصادي.
ورغم أن الوضع لا يشبه أزمة السبعينيات حين أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تضخم وبطالة مرتفعين، فإن التأثير الاقتصادي لا يزال قائمًا، وحذر وزير الخزانة الأسترالي جيم تشالمرز من احتمال حدوث «تداعيات كبيرة» على الاقتصادين المحلي والعالمي نتيجة الحرب، ويقدّر اقتصاديون في بنك أستراليا الوطني أن التضخم قد يبلغ ذروته عند نحو 4.75% في يونيو، أي أعلى بنصف نقطة مئوية من التوقعات السابقة قبل اندلاع الحرب.
أما إذا ارتفعت أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل واستقرت عند هذا المستوى، فقد يتجاوز التضخم 5%، وهو أعلى مستوى منذ أواخر عام 2023، وقالت ميشيل بولوك، محافظ بنك الاحتياطي الأسترالي، إن البنك يراقب عن كثب خطر ارتفاع أسعار الوقود وتأثيره على توقعات التضخم، موضحة أن البنك عادة ما يتجاهل الصدمات السعرية المؤقتة، لكن الوضع الحالي قد يكون أكثر تعقيدًا بسبب بقاء التضخم مرتفعًا بالفعل.
وقال خبير الاستثمار بريت سولومون، إن المستثمرين اعتادوا في السنوات الأخيرة على صدمات جيوسياسية قصيرة الأمد، لكن هذه الأزمة قد تكون مختلفة، مضيفًا أن الأخبار الجيوسياسية كانت غالبًا ما تؤثر في الأسواق لفترة قصيرة، لكن استمرار الصراع لفترة أطول قد يغير المشهد الاقتصادي.
من جانبه، قال كيري كريج، استراتيجي الأسواق العالمية في بنك "جيه بي مورجان"، إن السيناريو الأساسي لدى معظم المستثمرين ما زال يفترض أن الحرب لن تستمر لأشهر، وأن الاقتصاد العالمي لا يزال يتمتع بآفاق معقولة، مضيفًا: «يتغير هذا التقييم فقط عندما يبدأ المستثمرون في الاعتقاد بأننا نتجه نحو ركود اقتصادي».