«فرصة العمر وموسم التجلي».. ليلة القدر كنز المغفرة وسر النور في رمضان
تبقى ليلة القدر هي فرصة العمر، وموسم التجلي، وكنز المغفرة الذي ينتظره المسلمون في شهر رمضان شهر المغفرة والرحمة.
في ليالي شهر رمضان تتجلى نفحات الرحمةن وتقترب القلوب من بارئها طلبا للعفو والمغفرة، غير أن بين هذه الليالي ليلة عظيمة اختصها الله بفضل لا يشبهه فضل، وجعلها بابا واسعا للرحمة والنجاة، تلك هي ليلة القدر التي تتنزل فيها الملائكة بالسلام، وتفيض فيها الأنوار على القلوب المؤمنة.
وقد جعل الله لهذه الليلة منزلة رفيعة حتى صارت عبادة لحظاتها خير من عبادة 1000 شهر، فصارت حلم الصائمين، وأمنية القائمين، وموسم الرجاء لكل من يرجو المغفرة والقبول.
ومع كل عام يعود السؤال نفسه لدى المسلمين عن فضل هذه الليلة، وكيفية تحريها واغتنامها على الوجه الذي يرضي الله، فهي ليلة ليست كبقية الليالي بل محطة إيمانية كبرى يتجدد فيها العهد مع القرآن ومع الطاعة ومع الطريق إلى الله.
معنى ليلة القدر ودلالات تسميتها
استنبط علماء المسلمين من تسمية ليلة القدر معاني عظيمة تشير إلى مكانتها الجليلة في ميزان الشرع، فهي ليلة يقدر الله فيها مقادير السنة من أرزاق وآجال وخير وشر، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ما يكون في السنة يكتب في أم الكتاب في هذه الليلة المباركة.
كما أن لفظ القدر يدل على عظمة الشأن ورفعة المكانة، فهي ليلة ذات قدر عظيم لأن الله أنزل فيها كتابا ذا قدر وهو القرآن الكريم على رسول ذي قدر وعلى أمة اصطفاها الله لتحمل رسالته.
ومن معانيها كذلك قدر العمل فيها، فالعبادة في هذه الليلة تعدل عبادة 1000 شهر كما أخبر القرآن الكريم، ولهذا كانت من أعظم فرص العمر التي يمنحها الله لعباده ليتداركوا ما فاتهم من الطاعات.
تحري ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى المنهج الصحيح لطلب ليلة القدر، وهو الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان مع تأكيد تحريها في الليالي الوترية منها.
فقد ورد في الحديث الشريف الأمر بالتماسها في الوتر من العشر الأواخر، كما أخبر بعض الصحابة أنهم رأوا في المنام إشارات تدل على وقوعها في السبع الأواخر، فوجههم النبي إلى الاجتهاد في تلك الليالي المباركة.
وقد مال عدد من العلماء إلى أنها قد تكون ليلة 27 من رمضان لقرائن وردت في بعض الروايات، غير أن الحكمة العملية للمؤمن هي الاجتهاد في جميع ليالي العشر الأواخر حتى ينال فضلها ويصيب بركتها.
حكمة إخفاء موعد ليلة القدر والتحذير من الشحناء
أخفى الله تعالى موعد ليلة القدر لحكمة عظيمة حتى يبقى المسلم في حالة يقظة واجتهاد طوال العشر الأواخر من رمضان، فلا يقتصر نشاطه على ليلة بعينها بل يحيي ليالي عدة طمعا في إدراكها.
وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليخبر الصحابة بموعدها ثم وقع خلاف بين رجلين فرفعت معرفتها، وفي هذا إشارة بليغة إلى خطورة الشحناء والخصومة بين المسلمين.
فالكراهية والبغضاء من الأمور التي تعكر صفاء القلوب وتحرم صاحبها من بركات الطاعة، لذلك جاءت الشريعة تحث على الصفح والمصالحة، وصلة الأرحام حتى تظل القلوب نقية قادرة على استقبال أنوار هذه الليلة المباركة.
علامات ليلة القدر
ذكر العلماء عددا من العلامات التي قد تدل على ليلة القدر، وهي علامات تظهر غالبا بعد وقوعها أو يشعر بها المؤمن في قلبه.
ومن أشهر هذه العلامات أن تطلع الشمس في صباحها بيضاء لا شعاع لها كما ورد في الحديث الصحيح، كما توصف هذه الليلة بأنها ليلة معتدلة لا حارة ولا باردة يسودها سكون خاص وسكينة تطمئن لها النفوس.
كذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة في تلك الليلة تكثر في الأرض حتى تكون أكثر من عدد الحصى، فيعم السلام والطمأنينة ويشعر المؤمن بحالة روحانية فريدة لا تشبه غيرها من الليالي.
كيف كان النبي يحيي ليلة القدر؟
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم نموذجا عمليا في اغتنام هذه الليالي المباركة، فقد كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان منقطعا للعبادة ومجاهدة النفس.
وكان يكثر من قراءة القرآن ومدارسته ويجود بالخير والصدقات، كما كان يحيي الليل بالصلاة والذكر ويحث أهله على القيام حتى تعم أجواء العبادة البيت كله.
ومن أعظم ما علمه النبي لأمته في هذه الليلة الدعاء بالعفو، فقد أوصى بالدعاء المشهور: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، وهو دعاء يجمع معنى الرجاء والتضرع بين يدي الله.
عبادة الحائض والنفساء في ليلة القدر
لا تحرم الحائض أو النفساء من فضل ليلة القدر رغم عدم قدرتهما على الصلاة أو الصيام في تلك الحالة، إذ يمكنهما اغتنام هذه الليلة بالعديد من الطاعات الأخرى.
فلهما الإكثار من الذكر والاستغفار والتسبيح والصلاة على النبي والدعاء بما شاءتا من خير الدنيا والآخرة، كما يمكنهما الاستماع إلى القرآن الكريم والتدبر في معانيه وقراءة المصحف بالعين دون التلفظ به.
كذلك يمكنهما التصدق وفعل أعمال الخير ونية الطاعة فيما تقومان به من خدمة بيوتهما وأهلهما، وبذلك تنالان الأجر والثواب الكامل لأن العذر الذي منعهما خارج عن إرادتهما.
ليلة القدر أعظم هدية ربانية في شهر رمضان
تبقى ليلة القدر أعظم هدية ربانية في شهر رمضان وفرصة قد لا تتكرر كثيرا في حياة الإنسان، فهي ليلة الرحمة والمغفرة، وتبديل الأحوال لمن صدق مع الله واجتهد في طاعته.
لذلك كان من الحكمة أن يستقبلها المسلم بقلب نقي خال من الشحناء وبعزم صادق على العبادة والدعاء والرجاء، فرب ليلة واحدة صادقة تغير مسار حياة كاملة وتفتح أبواب الخير والبركة في الدنيا والآخرة.. نسأل الله أن يجعلنا من أهل هذه الليلة المباركة وأن يرزقنا فيها القبول والعفو والمغفرة.
