رئيس التحرير
أحمد ناصف
رئيس التحرير
أحمد ناصف

ما حكم تناول فيتامينات في السحور لتقوية الصائم؟

نشر
تناول فيتامينات في
تناول فيتامينات في السحور

ورد إلى دار الإفتاء المصرية سؤال.. ما حكم تناول دواء في سحور رمضان لتقوية الصائم؟ حيث إني أتناول دواء مع السحور يُمِدُّ الجسم بالطاقة والنشاط ويُقلِّل من الشعور بالجوع والعطش، فما الحكم الشرعي لهذا الأمر؟


وأجابت دار الإفتاء المصرية أنه يجوز للصائم تناول بعض الأدوية والعقاقير المباحة شرعًا في وقت السحور أو قبله أو بعده أو بدلًا عنه ما دام أن ذلك قبل دخول الفجر الصادق وتحت إشراف الأطباء المختصين، ولم يترتب عليه وقوع ضررٍ على الصائم. 

حكم تناول دواء في السحور لتقوية الصائم


مِن بين الأمور التي يجوز للمسلم أن يتقوَّى بها أثناء الصوم تناول بعض الأدوية والعقاقير وقت السحور أو قبله أو بعده أو تناولها بَدَلًا عن السحور، فهو -أي: السحور- يحصل بالقَدْر القليل مِن مأكل أو مشرب، ما دام كان ذلك قبل دخول وقت الصيام؛ وهو الفجر الصادق.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (4/ 140، ط. دار المعرفة): [يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب] اهـ.

وذلك متى كانت هذه الأدوية والعقاقير مباحةً من حيث الأصل، بأن كانت طاهرة، ولم يرد في تحريمها دليل عامٌّ أو خاصٌّ؛ وألَّا يتسبب تناولها في وقوع ضرر بصحة الصائم، وأن يتم هذا الأمر تحت إشراف أهل التخصص، فقد تقرر شرعًا أن الأصل في الأشياء الإباحة ويبقى ذلك الأصل حتى يقوم دليل على تغييره كما هو مقرَّرٌ شرعًا، كما في "شرح مختصر خليل وحاشية البناني" للإمام الزُّرْقَانِيِّ (1/ 320، ط. دار الكتب العلمية)، و"الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 60، ط. دار الكتب العلمية)، و"مطالب أولي النهى" للعلامة الرُّحَيْبَاني (6/ 218، ط. المكتب الإسلامي).

ويدلُّ لهذا الأصل: قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وحديث سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السَّمْن والجُبْن والفِرَاء، قال: «الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو ممَّا عفا عنه» أخرجه الإمامان التِّرْمِذِي وابن ماجه.

قال المُلَّا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (8/ 131، ط. دار الكتب العلمية): [«فهو ممَّا عفا عنه» أي: عن استعماله وأباح في أكله، وفيه: أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة] اهـ.

وقد قَرَّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا المبدأ، فعن طَاوُسٍ قال: سمعت أبا الدَّرْدَاء، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ كَثِيرٍ عَنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَكَلَّفُوهَا، رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ فَاقْبَلُوهَا» رواه الطَّبَرَانِي في "المعجم الأوسط".

من المقرر شرعًا أنَّه يجوز للصائم في نهار رمضان التقوِّي على الصوم بفعل ما لا يفسده، كالتبرُّد بصَبِّ الماء فوق الرأس، والمضمضة والاستنشاق، وغير ذلك من الأمور التي تساعد المسلم على إتمام الفريضة، مع التحرُّز الكامل عن انزلاق شيء من هذا الماء إلى الجوف، وامتلاك القدرة على استعماله فيما يرده فقط، فإذا جاز له الاستعانة بذلك للتقوِّي على الصوم في نهار رمضان، فمن باب أولى جواز الاستعانة بما يتقوَّى به من أدوية وعقاقير وقت السحور، وهو وقت فيه إباحة الأكل والشرب والجماع، وغيرها مما يعد فعله مفطرًا في نهار رمضان، فقد أخرج الإمام مالك في "الموطأ" أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان بالعرج «يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ».

قال الإمام الباجي في "المنتقى شرح الموطأ" (2/ 49، ط. مطبعة السعادة): [بلغ به شدة العطش أو الحر أن صب الماء على رأسه ليتقوَّى بذلك على صومه وليخفف عن نفسه بعض ألم الحر أو العطش وهذا أصل في استعمال ما يتقوَّى به الصائم على صومه مما لا يقع به الفطر من التبرُّد بالماء والمضمضة به؛ لأن ذلك يعينه على الصوم ولا يقع به الفطر؛ لأنه يملك ما في فمه من الماء ويصرفه على اختياره] اهـ.

وقال العلامة الشُّرُنْبُلَالِي الحنفي في "مراقي الفلاح" (ص: 257، ط. المكتبة العصرية) في معرض حديثه عما لا يُكره فعله للصائم: [لا يُكره له "المضمضة و" لا "الاستنشاق" وقد فعلهما "لغير وضوء و" لا "الاغتسال و" لا "التلفف بثوب مبتل" قصد ذلك "للتبرُّد" ودفع الحر "على المفتى به" وهو قول أبي يوسف.. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يبل الثوب ويلفُّه عليه وهو صائم ولأن بهذه عونًا على العبادة ودفعًا للضجر الطبيعي] اهـ.

فإذا ثبت أَنَّ هذه الأدوية تعمل على تقليل الشعور بالجوع والعطش، وإمداد الجسم بالطاقة والنشاط، لما قد تحتويه مِن مركبات نافعة تخفِّف من أَثَر ذلك ولا تحتوي على ما فيه ضرر جاز استخدامها ولا حرج، للقاعدة الفقهية المستقرة أنَّه "لا ضرر ولا ضرار". ينظر: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص: 7، ط. دار الكتب العلمية).

وأصل هذه القاعدة ما أخرجه الإمام ابن ماجه عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وهي قاعدة تحول مراعاتها بين الإنسان وبين كل ما يمكن أن يُسَبِّب له الضرر؛ على مستوى الأفراد والجماعات.


بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يجوز للصائم تناول بعض الأدوية والعقاقير المباحة شرعًا في وقت السحور أو قبله أو بعده أو بدلًا عنه ما دام أن ذلك قبل دخول الفجر الصادق وتحت إشراف الأطباء المختصين، ولم يترتب عليه وقوع ضررٍ على الصائم.

عاجل