رئيس التحرير
أحمد ناصف
رئيس التحرير
أحمد ناصف

بعد عام على رحيله.. أمل الطائر وذاكرة الأغنية الشعبية

نشر
الشاعر الغنائي أمل
الشاعر الغنائي أمل الطائر

تحل، اليوم الأربعاء، الذكرى الأولى لرحيل الشاعر الغنائي أمل الطائر، أحد أبرز صُنّاع الأغنية الشعبية في مصر، والذي لم يكن يومًا شاعر مناسبات أو باحثًا عن الأضواء، بل كاتبًا أدرك قيمة الكلمة حين تخرج صادقة من زحام الحواري والورش والمقاهي، فتتحول إلى رفيق طريق وذاكرة صوتية لجيل كامل. وفي ذكرى غيابه الأولى، يعود اسمه محمّلًا بتاريخ طويل من الأغاني التي صنعت الفرح، وواست الحزن، وعبّرت عن وجدان شعبي لم يتوقف يومًا عن الغناء رغم قسوة الواقع.

وُلد الطائر عام 1959 في حي شبرا بمحافظة القاهرة، داخل بيت يتنفس الغناء والكلمة؛ فهو نجل الشاعر الغنائي والزجال الكبير مصطفى الطائر، وشقيق الشعراء سمير وإنسان، والشاعرة سمرة الطائر. في هذا المناخ تبلور وعيه مبكرًا، وانجذب إلى الكلمة الشعبية لا بوصفها لونًا فنيًا فحسب، بل باعتبارها لغة حياة يومية قادرة على التعبير عن الناس دون تزييف.

بدأ رحلته مطلع الثمانينيات، وتحديدًا عام 1982، في مرحلة كانت فيها الأغنية المصرية تشهد تحولات واضحة في الإيقاع والبناء مع تصاعد الجملة القصيرة السريعة. جاءت كلماته متوافقة مع هذا التطور، لكنها ظلت مخلصة لنبض الشارع، حتى وإن بدت غريبة على السمع لأول وهلة، على غرار ما أحدثته تجربة أحمد عدوية في زمن سابق، قبل أن تثبت حضورها في سياقها الطبيعي بين الجمهور.

على مدار مشواره، كتب الطائر ما يزيد على ألف أغنية، عكست في مجملها هموم الإنسان البسيط وأحلامه الصغيرة. ومن أبرز أعماله مع المطرب الشعبي عبد الباسط حمودة أغنيات «أنا مش عارفني» و«اديني قلبك» و«الجو هادي». كما شكّل ثنائيًا فنيًا لافتًا مع الفنان الشعبي حكيم، وكتب له عددًا من أنجح أغانيه التي أسهمت في انطلاقته، وأصبحت جزءًا من الذاكرة السمعية للأفراح والشوارع الشعبية، من بينها: «نار»، «نظرة»، «بيني وبينك»، «افرض»، «السلامو عليكم»، و«الحق عليه».

ولم يقتصر إبداعه على الأغنية الشعبية، بل تعاون مع طيف واسع من المطربين، منهم حسن الأسمر، هاني شاكر، سامو زين، حمادة هلال، طارق الشيخ، أنغام، هدى، فاطمة عيد، أحمد عدوية، وخالد عجاج وغيرهم. كما كتب للأفلام والمسرح والإعلانات، من بينها أفلام «سارق السيارات» (1986)، «الراقصة والسجان» (1992)، «الجاسوسة حكمت فهمي» (1994)، و«علي سبايسي» (2005)، إلى جانب أغانٍ شهيرة مثل «أبويا عايز يتجوزني» في فيلم «يا أنا يا خالتي»، و«حب إيه» في فيلم «اللمبي».

ورغم حجم نجاحه وتنوع تجاربه، ظل أمل الطائر واحدًا من «مظاليم الفن»، كما وصفه الناقد أحمد السماحي في تصريحات صحفية، إذ لم يحظَ بالتقدير الإعلامي الذي يليق بما قدّمه للأغنية المصرية، وهو ما شكّل غصّة ظل يشعر بها حتى أيامه الأخيرة.

ومنذ عام 2020، دخل الطائر في صراع قاسٍ مع المرض إثر إصابته بالقدم السكري وخضوعه لعملية بتر، إلى جانب أزمات صحية متلاحقة شملت جلطات بالمخ ومشكلات في الدورة الدموية. كما عاش قبل وفاته بسنوات فاجعة إنسانية كبرى برحيل ابنته إنجي بعد صراع طويل مع السرطان، وهو الحدث الذي ترك أثرًا بالغًا في نفسه.

وفي صباح الثلاثاء 18 فبراير 2025، أعلنت زوجته منال النبوي وفاته عبر صفحته على «فيسبوك» عن عمر ناهز 66 عامًا. وأُقيمت صلاة الجنازة بمسجد أمام مستشفى البكري العام، ووُوري جثمانه الثرى بمقابر قرية سنهوا التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، بحضور أسرته وأصدقائه ومحبيه.

برحيله، فقدت الأغنية الشعبية صوتًا صادقًا عاش الواقع ولم يزره، وكتب للناس لا عنهم، لتبقى كلماته وقودًا ليوم العمل الشاق، ومساحة إنسانية تحفظ رقة المشاعر، وتشارك تفاصيل الشارع المصري جيلاً بعد جيل.

عاجل