من الإسكندرية إلى العالمية.. يوسف شاهين وحكاية سينما لا تهدأ
لم يكن يوسف شاهين، الذي تحل ذكرى ميلاده اليوم الأحد، مجرد مخرج سينمائي لامع، بل كان حالة فنية وفكرية استثنائية أعادت تعريف السينما العربية، ودفعت بها خارج حدود الترفيه إلى فضاء أوسع من الأسئلة الإنسانية والفكرية، فعلى امتداد أكثر من 50 عامًا، ظل شاهين حاضرًا كمبدع إشكالي، يثير الجدل بقدر ما يثير الإعجاب، ويؤكد أن السينما ليست حكاية تروى فقط، بل موقفًا يتخذ، ورؤية تدافع عن حق الإنسان في الحرية والاختلاف.
في الخامس والعشرين من يناير عام 1926، ولد ابن مدينة الإسكندرية يوسف جبرائيل شاهين، تلك المدينة التي شكلت وعيه الأول، ومنحته حسًّا مبكرًا بالتعدد الثقافي والانفتاح الإنساني، ففي هذا الفضاء الكوزموبوليتاني، تشكلت رؤيته للعالم، وتكون إدراكه بأن الهوية ليست قالبًا مغلقًا، بل مساحة حرة للتفاعل والتنوع، هذا التكوين الإنساني انعكس بوضوح على أفلامه، التي حملت دائمًا طابعًا عالميًا دون أن تفقد جذورها المصرية.
درس يوسف شاهين الإخراج السينمائي في الولايات المتحدة، وعاد إلى مصر مسلحًا بالمعرفة التقنية، لكنه سرعان ما تجاوز القوالب الأكاديمية، ليبحث عن لغة سينمائية خاصة به، منذ أفلامه الأولى، مثل "بابا أمين" و"ابن النيل"، برز بوضوح انحيازه للإنسان البسيط، واهتمامه بالعلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، وبين الطموح والواقع، في معالجة سبقت زمنها.
شكل فيلم "باب الحديد" محطة فارقة في مسيرته، ليس فقط لجرأته الموضوعية، بل للغة السينمائية التي اعتمدها، فقد اقترب شاهين من عالم المهمشين، وكشف عن العنف المكبوت داخل النفس البشرية، مستخدمًا الكاميرا والمونتاج بوصفهما أدوات تحليل نفسي واجتماعي، كان الفيلم صادمًا لجمهور اعتاد السرد التقليدي، لكنه أصبح لاحقًا علامة بارزة في تاريخ السينما العربية.
لم ينفصل يوسف شاهين عن قضايا مجتمعه وتاريخه، لكنه رفض تقديم السينما بوصفها خطابًا دعائيًا مباشرًا، ففي "الناصر صلاح الدين"، قدم قراءة إنسانية للتاريخ، تتجاوز البطولة الفردية إلى قيم التسامح والعدل؛ أما في "الأرض"، فقد بلغ ذروة الواقعية السينمائية، رابطًا بين الأرض كحق مادي، والكرامة كقيمة وجودية، في عمل ملحمي يجسد الصراع الطبقي والاجتماعي بصدق وقسوة.
جاء فيلم "العصفور" كواحد من أكثر أفلامه جرأة، حيث واجه لحظة ما بعد هزيمة 1967 بشفافية نادرة، محللًا أسباب الانكسار دون مواربة، ومشيرًا إلى غياب الحرية وتزييف الوعي كجذور أساسية للهزيمة، لم يكن الفيلم محاكمة سياسية، بل محاولة لفهم الذات الجماعية في لحظة انهيار.
في مرحلة لاحقة، تحولت السينما لدى يوسف شاهين إلى مساحة اعتراف شخصي، خاصة في سلسلة أفلام "إسكندرية"، التي مزجت بين السيرة الذاتية والتاريخ العام، في "إسكندرية ليه؟" و"حدوتة مصرية"، قدم نفسه إنسانًا قلقًا، متناقضًا، باحثًا عن معنى، مستخدمًا ذاته كمرآة للمجتمع المصري، وعلاقة الفنان بالسلطة والجمهور والرقابة.
اشتهر يوسف شاهين بكونه صانعًا حقيقيًا للنجوم، إذ اكتشف وقدم عددًا كبيرًا من الفنانين الذين أصبحوا لاحقًا علامات فارقة في السينما والدراما، كان وراء انطلاقة عمر الشريف إلى العالمية، وكشف عن العمق التمثيلي للسندريلا سعاد حسني، كما قدم أجيالًا جديدة من الممثلين، مثل: يسرا، محسن محيي الدين، هاني سلامة، خالد النبوي، هند صبري، سيف عبدالرحمن، باسم سمرة، لم يكن اختياره للممثلين قائمًا على النجومية، بل على الصدق والقدرة على التطور.
أسس يوسف شاهين ما يعرف بالمدرسة الشاهينية في الإخراج، وهي مدرسة تقوم على كسر السرد التقليدي، واستخدام الكاميرا بوصفها عنصرًا حيًا متحركًا، والاعتماد على المونتاج كأداة فكرية، إلى جانب حضور الموسيقى والاستعراض كجزء من البناء الدرامي، فكانت أفلامه تمزج بين الواقعي والرمزي، وتطالب المشاهد بالمشاركة الذهنية، لا الاكتفاء بالتلقي.
نال يوسف شاهين تقديرًا عالميًا واسعًا، وشاركت أفلامه في كبرى المهرجانات الدولية، وحصل على جائزة اليوبيل الذهبي من مهرجان كان عام 1997، تكريمًا لمسيرته الفنية، ورغم الجدل الدائم حول أعماله، ظل شاهين مؤمنًا بأن السينما فعل حرية، وبأن الفن الحقيقي لا يطمئن، بل يقلق ويطرح الأسئلة، هكذا بقي إرثه مفتوحًا، قابلًا لإعادة الاكتشاف، ومصدر إلهام دائم لكل من يؤمن بأن السينما أداة وعي ومقاومة