السلطات السورية تبدأ ترحيل المقاتلين الأكراد من آخر حيّ تحصنوا فيه بحلب
بدأت السلطات السورية نقل مقاتلين أكراد من الشيخ مقصود وهو آخر حيّ تحصنوا فيه في مدينة حلب، نحو مناطق الإدارة الذاتية الكردية، بعدما أعلن الجيش وقف عملياته في الحي.
واندلعت اشتباكات عنيفة بين القوات الكردية والحكومية الثلاثاء في حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين في حلب، تبادل الطرفان الاتهامات بإشعالها. وأدّت المعارك إلى نزوح 155 ألف شخص من الحيين، بحسب محافظ حلب.
وأتت المعارك على وقع تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) منذ توقيع اتفاق في مارس نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.
ومساء السبت، أعلن التلفزيون الرسمي السوري “نقل مقاتلين من تنظيم قسد أعلنوا استسلامهم في مشفى ياسين بالحافلات إلى مدينة الطبقة بإشراف وزارة الداخلية” وذلك بعيد إعلان الجيش “وقف جميع العمليات العسكرية” واستعداده لترحيل المقاتلين الأكراد المتحصنين في الحيّ و”سحب أسلحتهم”.
وذكرت تقارير أنّ أربعَ حافلاتٍ على الأقل تقلّ مقاتلين خرجت من حيّ الشيخ مقصود بمواكبة قوات الأمن.
وتراجعت وتيرة الاشتباكات مساء السبت بعدما شهد الحيّ معارك عنيفة خلال النهار رغم إعلان الجيش استكمال عملية أمنية بدأت ليلا. وأفادت تقارير من مشارف الشيخ مقصود عن سماع أصوات إطلاق رصاص متقطعة من الحي بعد إعلان الجيش، بينما غادره عشرات المدنيين الذين كانوا عالقين جراء المعارك.
وافترشت عائلات الأرض عند مدخل حيّ الشيخ مقصود بعدما علقت داخله لأيام وأخرجت برفقة القوات الأمنية استعدادا لنقلها إلى مراكز إيواء.
وقال المبعوث الأمريكي الخاص توماس بارّاك اليوم إنه التقى بالرئيس السوري في دمشق كما دعا جميع الأطراف إلى “ممارسة أقصى درجات ضبط النفس ووقف الأعمال القتالية على الفور والعودة إلى طاولة الحوار”. وأضاف أن فريق وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مستعد للتوسط.
وكان باراك قال في وقت سابق إن وقفا شاملا لإطلاق النار سيؤدي إلى “انسحاب سلمي لقوات سوريا الديمقراطية من حلب”.
وفي وقت سابق من اليوم، ذكرت ثلاثة مصادر أمنية سورية لرويترز أن مجموعة من المقاتلين الأكراد، بينهم بعض القادة وأفراد عائلاتهم، جرى نقلهم سرا من حلب إلى شمال شرق البلاد خلال الليل.
وكانت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية لإقليم شمال وشرق سوريا، رحبت خلال الليل باتفاق إعادة نقل المقاتلين من حي الشيخ مقصود بأمان إلى شرق سوريا.
وألمحت مصادر أمنية تركية إلى احتمال وجود انقسام داخل الفصائل الكردية، وقالت إن تركيا تواصلت مع عدد من كبار المسؤولين الأكراد ولمست استعدادهم للتسوية، وذكرت بالتحديد اسم إلهام أحمد وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي. لكن المصادر التركية أفادت بأن مقاتلين آخرين فضلوا الصمود والقتال.
وتواصل “قسد” المماطلة في تنفيذ بنود الاتفاق الذي وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع وزعيم التنظيم.
ويشمل الاتفاق دمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي سوريا في إدارة الدولة، وفتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، وتأكيد وحدة أراضي البلاد.
وتبذل الإدارة السورية بقيادة الرئيس الشرع، جهودا مكثفة لضبط الأمن في البلاد وبسط كامل سيطرتها، منذ الإطاحة في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 بنظام بشار الأسد الذي استمر 24 سنة في الحكم.
وأصدرت وزارة الخارجية والمغتربين السورية بيانا شاملاً أكدت فيه تنفيذ الحكومة لعملية “إنفاذ قانون” محدودة النطاق والأهداف في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب.
وأوضحت الوزارة أن هذه الإجراءات، التي التزمت فيها الدولة بالشفافية وسيادة القانون، جاءت لاستعادة النظام العام وحماية المدنيين بعد انتهاكات متكررة للترتيبات الأمنية من قبل وحدات حماية الشعب، التي ألحقت الأذى بالسكان.
وأعربت دمشق عن بالغ شكرها لكل من “أمريكا” والمملكة العربية السعودية ودولة قطر وتركيا وفرنسا وبريطانيا والسيد مسعود بارزاني، تقديرا لدورهم في دعم استقرار سوريا وحرصهم على سيادة أراضيها.
وأشارت الخارجية السورية إلى أن الحكومة انتهجت منذ تاريخ التحرير في الثامن من كانون الأول 2024 نهجا وطنيا شاملا يهدف لتوطيد سلطة مؤسسات الدولة الشرعية.
كما أضافت: “رغم التوصل لاتفاقيات في نيسان 2025 لإنهاء المظاهر العسكرية غير الحكومية في الحيين، إلا أن تلك الاتفاقيات تراجعت إثر انتهاكات متكررة شملت هجمات مسلحة انطلقت ضد المناطق السكنية في حلب يومي السابع والثامن من الشهر الجاري، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين.”
وشددت الوزارة على أن هذا التدخل لا يعد حملة عسكرية ولا ينطوي على أي تغيير ديموغرافي، كما أنه لا يستهدف أي فئة سكانية على أسس عرقية أو دينية.
وأكد بيان الخارجية السورية أن الإجراءات اقتصرت على جماعات مسلحة محددة تعمل خارج الأطر المسموح بها، والتي تقوم بأنشطة تعرقل التفاهمات، بما في ذلك ممارسات خطيرة مثل تجنيد القاصرين.
كما شددت الخارجية أن الدولة السورية أولوية قصوى لحماية السكان عبر إنشاء نقاط استجابة متقدمة وفتح ممرات إنسانية آمنة بالتعاون مع المنظمات الدولية.
واكدت أن الحكومة السورية ستبدأ قريبا بعملية مسح المناطق المتضررة وإزالة مخلفات المتفجرات لتهيئة الظروف لعودة الحياة المدنية إلى طبيعتها المعهودة.
وجددت الوزارة تأكيدها على أن هذه التحركات تستند إلى مبدأي الضرورة والتناسب، وهي لا تستهدف بأي حال المجتمع الكردي الذي يمثل جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوري في حلب.
وأضافت الخارجية السورية أن “استعادة السلطة الحصرية للدولة على السلاح هي الشرط الأساسي لدعم الاستقرار والعملية السياسية، ومنع استخدام الأراضي السورية كمنصة لأي نشاط مسلح قد يهدد الأمن الإقليمي.”