رئيس التحرير
أحمد ناصف
رئيس التحرير
أحمد ناصف

ذكرى رحيل محمد خان.. رائد السينما الواقعية وصاحب أبرز الأفلام الإنسانية

نشر
مستقبل وطن نيوز

تحل اليوم ذكرى رحيل المخرج الكبير محمد خان، أحد أبرز رواد السينما الواقعية في مصر والعالم العربي، والذي ترك بصمة فنية لا تنسى من خلال أعماله التي جسدت حياة الإنسان المصري بكل تفاصيلها وأحلامه وتحدياته، وعلى مدار مشواره السينمائي، قدم أفلاما أصبحت علامات بارزة في تاريخ السينما، وتميز بأسلوبه الإخراجي الصادق واهتمامه بالتفاصيل الإنسانية، ليحظى بمكانة خاصة لدى الجمهور والنقاد.

ولد محمد حامد حسن خان في 26 أكتوبر 1942 بحي السكاكيني بالقاهرة، لأب من أصل باكستاني وأم مصرية، ونشأ في منزل مجاور لإحدى دور السينما، وكانت تلك الصدفة بداية علاقته بعالم الفن، إذ كان يشاهد الأفلام منذ صغره ويجمع صورها وإعلاناتها من الصحف، رغم أن حلمه الأول كان دراسة الهندسة المعمارية.

في عام 1956 سافر إلى إنجلترا لدراسة الهندسة، لكن لقاء عابرا مع طالب يدرس السينما غير مسار حياته، فالتحق بمعهد السينما في لندن، وأنهى دراسته عام 1963، وخلال سنوات وجوده هناك تعرف إلى مدارس السينما العالمية، وتأثر بالموجة الفرنسية الجديدة وأعمال كبار المخرجين مثل أنطونيوني وفيديريكو فلليني وأكيرا كوروساوا، وهو ما أسهم في تكوين رؤيته الفنية.

بعد عودته إلى القاهرة عمل في شركة فيلمنتاج بقسم السيناريو والقراءة تحت إدارة المخرج صلاح أبو سيف، ثم انتقل إلى لبنان ليعمل مساعدا للإخراج مع عدد من المخرجين، وبعد عامين عاد إلى إنجلترا، حيث أنشأ دار نشر وأصدر كتابين عن السينما المصرية والسينما التشيكية، كما كتب العديد من المقالات السينمائية، وفي عام 1977 عاد إلى مصر وأخرج فيلما قصيرا، قبل أن يبدأ مشواره الحقيقي في السينما الروائية.

بدأ محمد خان رحلته الإخراجية بفيلم "ضربة شمس" عام 1978، الذي قام بإنتاجه الفنان نور الشريف بعد إعجابه بالسيناريو، ومنذ ذلك الحين أصبح واحدا من أبرز مخرجي السينما الواقعية، كما شارك مع بشير الديك، وعاطف الطيب، وخيري بشارة، وداود عبد السيد، وسعيد شيمي، ونادية شكري في تأسيس جماعة أفلام الصحبة، التي هدفت إلى تقديم سينما مختلفة تعبر عن الواقع المصري.

شكل خان مع الفنان أحمد زكي ثنائيا ناجحا في عدد من الأفلام المهمة منها: موعد على العشاء (1981)، زوجة رجل مهم (1988)، وأيام السادات (2001)، كما شارك في كتابة عدد كبير من أفلامه، إذ كتب قصص 12 فيلما من أصل 21 فيلما أخرجها، من أبرزها: الرغبة (1979)، الحريف (1983)، أحلام هند وكاميليا (1988)، مستر كاراتيه (1992)، بنات وسط البلد (2005)، وقبل زحمة الصيف (2015).

اشتهر محمد خان بقدرته على تقديم الشخصيات الإنسانية البسيطة، ولذلك لقب بأحد أهم رواد السينما الواقعية، حيث ركزت أفلامه على الطبقة المتوسطة والمهمشين، واهتم بإبراز التفاصيل اليومية التي تمنح الشخصيات صدقها وحيويتها، كما عرف باهتمامه الكبير بتقديم المرأة بصورة إنسانية عميقة، حتى أطلق عليه بعض النقاد لقب "ملك التفاصيل النسائية"، حيث برع في تصوير مشاعر المرأة وأحلامها ومعاناتها في أفلام مثل موعد على العشاء، وزوجة رجل مهم، وفتاة المصنع، وأولى اهتماما خاصا بالطعام والديكور والملابس والإكسسوارات باعتبارها عناصر تعبر عن الحالة النفسية للشخصيات.

حقق محمد خان العديد من الجوائز المحلية والدولية، من أبرزها: الجائزة الذهبية للإخراج الأول من مهرجان الإسكندرية السينمائي، وجائزة العمل الأول من جمعية الفيلم عن فيلم "ضربة شمس" عام (1978)، وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان نانت بفرنسا، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة من جمعية الفيلم والجائزة الذهبية من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما عن فيلم "طائر على الطريق" عام (1981) ، والجائزة الأولى في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن فيلم "نص أرنب" عام (1982)، وجائزة أفضل إخراج من جمعية الفيلم، والجائزة الثانية بمهرجان الإسكندرية، وشهادة تقدير من مهرجان برلين الدولي عن فيلم "الحريف" عام (1983)، وجائزة التانيت الفضي بمهرجان قرطاج والجائزة الخامسة في مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي الرابع عن فيلم "خرج ولم يعد" عام (1984)، وجائزة السيف الفضي بمهرجان دمشق عن فيلم "زوجة رجل مهم" عام (1988)، وجائزة أفضل فيلم عربي بمهرجان دمشق، والخنجر الفضي في مهرجان مسقط، وجائزة أفضل مخرج بالمركز الكاثوليكي عن فيلم "في شقة مصر الجديدة " عام (2007).

 

كما مثل مصر في ترشيحات الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي إلى جانب مشاركته في مهرجانات موسكو وكان ومونتريال ومهرجانات دولية متعددة باسبانيا وفرنسا وكندا، وفي عام 2012 اختير رئيسا لأساتذة سوق السيناريو للأفلام الخليجية القصيرة ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي.

وعن حياته الشخصية، تزوج محمد خان عدة مرات، الأولى من سيدة خارج الوسط الفني، وأنجب منها ابنته المخرجة السينمائية نادين خان، ثم تزوج من الفنانة نهلة سلامة، ولم يستمر زواجهما سوى ثلاثة أو أربعة أشهر، وبعدها تزوج من المؤلفة والكاتبة وسام سليمان، التي شاركته كتابة سيناريو فيلمي "بنات وسط البلد" و"في شقة مصر الجديدة".

ورغم أنه ولد وعاش في مصر، فإنه ظل سنوات طويلة يطالب بالحصول على الجنسية المصرية بسبب جنسية والده الباكستانية، حتى تحققت أمنيته بصدور القرار الجمهوري رقم 92 لسنة 2014، وحصل رسميا على الجنسية المصرية في 19 مارس 2014، وهو الحدث الذي وصفه بأنه من أسعد لحظات حياته.

في السنوات الأخيرة من حياته تعرض محمد خان لوعكة صحية أثرت في حالته، ودخل أحد المستشفيات بالقاهرة لتلقي العلاج، وفي صباح 26 يوليو 2016 توفي عن عمر ناهز 74 عاما إثر أزمة صحية، وشيعت جنازته من أحد مساجد حي المعادي وسط حضور كبير من نجوم الفن ومحبيه، ليرحل صانع الواقعية، فقد جمع بين البساطة والعمق الإنساني، واستطاع أن يحول تفاصيل الحياة اليومية إلى أعمال فنية خالدة، لتبقى ذكراه رمزًا للإبداع والإخلاص للفن.

عاجل