رئيس التحرير
أحمد ناصف
رئيس التحرير
أحمد ناصف

هل تجزئ الأضحية الواحدة عن الرجل وأهل بيته جميعًا؟ وزارة الأوقاف تجيب

نشر
مستقبل وطن نيوز

مع إشراقة أيام النحر المباركة، يحرص المسلمون على أداء شعيرة الأضحية طلبًا لرضوان الله تعالى وإحياءً لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام، ويكثر التساؤل داخل الأسر المسلمة حول حكم إجزاء الأضحية الواحدة عن جميع أفراد البيت، خاصةً مع اتساع الأسر وتعدد الأبناء، وتبرز هنا رحمة التشريع الإسلامي ويسره في تحقيق مقاصد العبادة والتوسعة والتكافل دون حرج أو مشقة.

هل تجزئ الأضحية الواحدة عن أهل البيت الواحد؟

قالت وزارة الأوقاف إن الأضحية تجزئ شرعًا عن أهل البيت الواحد الذين يجمعهم السكن والمعيشة المشتركة؛ ويعني ذلك أنه إذا كانوا يقيمون جميعًا في بيت واحد، جاز لهم أن يضحوا بخروف واحد أو بسبع بقرة أو ناقة، ما داموا يشتركون في السكن والنفقة والمعيشة، إذ يتقرب العبد فيها إلى ربه بإراقة دم الأضحية؛ امتثالًا لأمره سبحانه وتعالى، قال جل جلاله: ﴿إِنَّاۤ أَعۡطَیۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ ۝١ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ ۝٢ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ﴾ [الكوثر: ١-٣]، أما إذا استقل كل واحد من الأبناء أو الأقارب بمسكنه أو شقته المنفصلة، فإن الشاة الواحدة لا تجزئ عنهم جميعًا؛ لانتفاء اتحاد السكن والمعيشة، وفي هذه الحالة يمكنهم الاشتراك في أضحية من الأنعام الكبيرة كالبقرة أو الناقة، حيث تجزئ عن سبعة أشخاص ولو كانوا من بيوت مستقلة [من فتاوى دار الإفتاء المصرية - حكم الأضحية بكبش واحد عن الرجل وأهل بيته - تاريخ الفتوى: ٥ ديسمبر ١٩٤٢م - رقم الفتوى: ٣٢٩٧ - من فتاوى: فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم].

أحكام الأضحية عند الفقهاء وحكم الأضحية عن الأولاد

ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الأضحية واجبة على الغني الموسر في أيام النحر، وجاءت الرواية الظاهرة المعتمدة عنه في كتب المذهب بأنه لا يجب على الأب الغني أن يضحي من ماله عن أولاده الفقراء الذين لا مال لهم؛ لأن العبادة المالية تدور مع الأهلية الشخصية وملك النصاب [ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ٥/ ٧٠].

وقد اختلف مشايخ الحنفية فيما إذا كان الأولاد صغارًا ولهم مال يجعلهم من أهل اليسار؛ هل يجب على الأب في هذه الحالة أن يضحي عنهم من أموالهم الخاصة، بأن يذبح عن كل ولدٍ منهم أضحية مستقلة من ماله، أم لا؟

وجاء الأصح والمعتمد والمفتى به في المذهب الحنفي: أنه لا يجب على الوالد أن يضحي عنهم من أموالهم، وعلى هذا التأصيل لا يجب على الأب أن يضحي عن أولاده مطلقًا، سواء أكانوا أغنياء أم فقراء، لا من ماله الخاص ولا من أموالهم [ينظر: أبو المعالى البخاري: المحيط البرهاني في الفقه النعماني، ٥/ ٦٥٦].

«وقد نص فقهاء الشافعية على هذا المعنى، فقال الإمام النووي في المجموع: قَالَ أَصْحَابُنَا التَّضْحِيَةُ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ، فَإِذَا ضَحَّى أَحَدُهُمْ حَصَّلَ سُنَّةَ التَّضْحِيَةِ فِي حَقِّهِمْ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ لَا يُضَحَّى بِهَا إلَّا عَنْ وَاحِدٍ، لَكِنْ إذَا ضَحَّى بِهَا وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تَأَتَّى الشِّعَارُ وَالسُّنَّةُ لِجَمِيعِهِمْ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا حُمِلَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ، قَالَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ) قَالَ: وَكَمَا أَنَّ الْفَرْضَ يَنْقَسِمُ إلَى فَرْضِ عَيْنٍ وَفَرْضِ كِفَايَةٍ، فقد ذكر الأصحاب أن التضحية كَذَلِكَ، وَأَنَّ التَّضْحِيَةَ مَسْنُونَةٌ لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ، هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ.

وَقَدْ حَمَلَ جَمَاعَةٌ الْحَدِيثَ المذكور على الاشتراك فِي الثَّوَابِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ، وَمِمَّا يُشْبِهُ قَوْلَ الْأَصْحَابِ: إنَّ الْأُضْحِيَّةَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ قَوْلُهُمْ الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ [ينظر: النووي، المجموع شرح المهذب : ٨/٣٨٤].

وجاء في الحديث، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ: كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا فِيكُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ، ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَ كَمَا تَرَى" [ابن ماجه، السنن (٣١٤٧)].

وقد روى هذا الحديث أيضًا الإمام مالك في "الموطأ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ صَيَّادٍ؛ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، أَخْبَرَهُ، قَالَ: كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ، فَصَارَتْ مُبَاهَاةً [موطأ الإمام مالك (١٧٧٠)]، وقال الإمام النووي: هذا حديث صحيح، والصحيح أن هذه الصيغة تقتضي أنه حديث مرفوع. اهـ [النووي: المجموع شرح المهذب: ٨/ ٣٨٤].

فالذي جرى عليه العمل في هذه الشعيرة، كما قرره الفقهاء وبيّنته دار الإفتاء المصرية، أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت الواحد، كما دلت على ذلك السنة النبوية المطهرة [من فتاوى دار الإفتاء المصرية - حكم الأضحية بكبش واحد عن الرجل وأهل بيته - تاريخ الفتوى: ٥ ديسمبر ١٩٤٢م - رقم الفتوى: ٣٢٩٧ - من فتاوى: فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم].

ومن هذا البيان الفقهي يُعلم أنه إذا ضحى والواحد عن نفسه وعن أهل بيته الذين منهم أولاده بشاة واحدة فقد أقام السنة النبوية المطلوبة برمتها، تماشيا مع ما جاء في الحديث عَنْ أَنَس، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيُعِدْ» فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ، - وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ - فَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَذَرَهُ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ؟ فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلاَ أَدْرِي بَلَغَتِ الرُّخْصَةُ أَمْ لاَ، ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ، يَعْنِي فَذَبَحَهُمَا، ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَذَبَحُوهَا" [البخاري: الصحيح، (٥٥٦١)].

وقد أوضح الحافظ ابن حجر في شرحه قوله: «وذكر هَنَة» – بفتح الهاء والنون الخفيفة بعدها هاء تأنيث – أي: حاجةً من جيرانه إلى اللحم [ابن حجر، فتح الباري: ١٦/٢٩].

الخلاصة

لقد أظهر التشريع الإسلامي في أحكام الأضحية جانبًا عظيمًا من التيسير والرحمة، فأجاز أن تجزئ الأضحية الواحدة عن الرجل وأهل بيته، تحقيقًا لمقاصد العبادة والتكافل وإدخال السرور على الأسر والفقراء، مع بقاء باب التوسع في الخير مفتوحًا لمن أراد الزيادة في القربات والطاعات.

عاجل