رئيس التحرير
أحمد ناصف
رئيس التحرير
أحمد ناصف

القاهرة التاريخية تستعيد بريقها.. شوارع التراث تنبض بالحياة والفن يعيد إحياء قلب العاصمة

نشر
مستقبل وطن نيوز

تشهد منطقة القاهرة التاريخية حالة من الحراك الثقافي والعمراني المتجدد، في إطار جهود الدولة لإحياء التراث وإبراز القيمة الحضارية للعاصمة. وتعود شوارعها القديمة إلى الواجهة من جديد بعد أعمال تطوير واستعادة لمظاهرها الجمالية، لتتحول إلى مساحة نابضة بالفن والثقافة تستقطب الزوار وتعيد رسم ملامح قلب القاهرة.

ولم تعد مشروعات التطوير التي تشهدها القاهرة التاريخية والخديوية مجرد أعمال إنشائية أو تجميلية، بل تحولت إلى مشروع متكامل لإعادة الروح إلى قلب العاصمة، واستعادة ملامح مدينة طالما شكّلت ذاكرة المصريين وواجهة حضارية للمنطقة بأكملها.

فبين مبانٍ تراثية استعادت بريقها، وشوارع تحولت إلى مسارات نابضة بالفن والثقافة، ومحاور مرورية أنهت سنوات من التكدس والعشوائية، تبدو القاهرة اليوم وكأنها تعيد اكتشاف نفسها من جديد.

وجاءت جولة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بعدد من مناطق القاهرة، لتكشف حجم التحول الذي تشهده العاصمة في إطار خطة الدولة لإحياء المناطق التاريخية والحفاظ على طابعها المعماري الفريد، بالتوازي مع تحسين جودة الحياة والخدمات المقدمة للمواطنين. فمن قصر التحرير وميدان الأوبرا، إلى شارع الشريفين وشارع المعز، مرورًا بمناطق السيدة عائشة والسيدة نفيسة، بدت ملامح "القاهرة الجديدة بروحها القديمة" حاضرة بوضوح في كل محطة من محطات الجولة.

فشهد قصر التحرير، المعروف بمبنى وزارة الخارجية القديم، أعمال تطوير وترميم واسعة تستهدف إعادة إحياء واحد من أهم المباني التراثية المطلة على ميدان التحرير.

وتضمنت الأعمال ترميم الواجهات الخارجية والزخارف الأصلية والعناصر المعمارية الدقيقة، إلى جانب تطوير الحدائق والموقع العام المحيط بالمبنى، بما يعيد إليه رونقه التاريخي ويبرز قيمته المعمارية الفريدة.

ويُعد القصر أحد أبرز المعالم التاريخية بالقاهرة، إذ يعود إنشاؤه إلى عام 1907، وصممه المعماري الإيطالي أنطونيو لاشياك، الذي مزج بين الطراز الأوروبي الكلاسيكي واللمسات الشرقية. كما ارتبط المبنى بتاريخ الدبلوماسية المصرية بعد تحويله إلى مقر لوزارة الخارجية لعقود طويلة، وشهد استقبال وفود وشخصيات دولية بارزة.

وشملت أعمال التطوير تنفيذ منظومة إضاءة حديثة لإبراز جماليات المبنى ليلًا، وترميم أعمال الموزاييك والزخارف الجبسية والعناصر الرخامية، باستخدام خامات تتناسب مع الطابع الأثري للمكان، في إطار الحفاظ على الهوية التاريخية للقصر والمنطقة المحيطة به.

وفي قلب القاهرة الخديوية، تتواصل أعمال تحسين الصورة البصرية وإعادة إحياء شوارع وسط البلد، من خلال مشروع متكامل لترميم واجهات العقارات التراثية ورفع كفاءتها وإزالة التعديات والتشوهات البصرية التي تراكمت عبر سنوات طويلة.

وشملت أعمال التطوير ميدان التحرير والمنطقة الممتدة حتى ميدان طلعت حرب مرورًا بشارع قصر النيل، مع استكمال مراحل جديدة بشارع طلعت حرب وحتى شارع 26 يوليو، تضمنت رفع كفاءة واجهات عشرات العقارات وإعادة المحال التجارية إلى نسق بصري موحد يتناسب مع الطابع المعماري للقاهرة الخديوية.

واستعادت شوارع وسط البلد جانبًا من روحها الثقافية والفنية من خلال مبادرة "شارع الفن" بمنطقة مثلث البورصة وشارع الشريفين، والتي تهدف إلى تحويل الشوارع التاريخية إلى منصات مفتوحة للفنون والإبداع.

وشهدت المنطقة عروضًا متنوعة للرسم والموسيقى والغناء والباليه والتنورة والتحطيب، إلى جانب مشاركة عشرات الفنانين التشكيليين الذين قدموا لوحات حية وسط الأجواء التراثية للقاهرة الخديوية، في تجربة تعيد للأذهان صورة القاهرة القديمة كمدينة نابضة بالفن والثقافة.

كما تستهدف المبادرة دعم المواهب الشابة، وإتاحة الفنون للجمهور في الفضاءات العامة، وتعزيز السياحة الثقافية، إلى جانب الارتقاء بالذوق العام وإعادة الحياة إلى شوارع وسط البلد التاريخية.

كما شهد شارع الألفي تطويرًا شاملًا حوله إلى ممشى حضاري مفتوح للمشاة، عبر تطوير الأرضيات وتركيب مقاعد جرانيتية وصيانة أعمدة الإنارة وأحواض الزهور، بما أعاد للمنطقة طابعها السياحي والجمالي، خاصة مع تطبيق نموذج “اتحاد الشاغلين” الذي يضمن استدامة أعمال الصيانة والحفاظ على المظهر الحضاري للشارع.

وفي منطقة الأوبرا القديمة، يجري العمل على استعادة الذاكرة التاريخية والثقافية للمكان، عبر تطوير واجهات المباني المطلة على ميدان الأوبرا، وتنفيذ واجهة مستوحاة من الطراز المعماري لمبنى الأوبرا المصرية القديمة على جراج الأوبرا الحالي، بما يربط بين تاريخ المنطقة وحاضرها العمراني.

كما تتضمن الأعمال تطوير ميدان الأوبرا والمنطقة المحيطة بتمثال إبراهيم باشا، وتركيب وحدات إضاءة معمارية حديثة، وتوحيد لافتات المحال التجارية، بما يسهم في تحسين المشهد البصري وإعادة الهوية الحضارية للمنطقة.

وامتدت أعمال التطوير إلى محور صلاح سالم الجديد، الذي ساهم في تحقيق سيولة مرورية وربط عدد من المناطق الحيوية بالقاهرة التاريخية، ضمن خطة تستهدف تخفيف التكدسات المرورية وتحسين الحركة داخل العاصمة.

وشهدت منطقتا السيدة عائشة والسيدة نفيسة تنفيذ مشروعات واسعة لإعادة إحياء المناطق التاريخية المحيطة بالمساجد والأضرحة الأثرية، وتحويلها إلى مناطق جذب سياحي وثقافي.

وتضمنت الأعمال إنشاء محاور مرورية جديدة، وتحسين الطرق والمناطق المحيطة، إلى جانب إزالة عدد من المظاهر العشوائية التي ظلت لعقود تشوه الطابع الحضاري للمنطقة.

كما تم نقل موقف السيدة عائشة إلى موقع جديد أكثر تنظيمًا ليستوعب نحو ألف سيارة، بما يسهم في تقليل الكثافات المرورية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مع إعادة تخطيط المنطقة المحيطة بالميدان بما يتناسب مع قيمتها التاريخية.

وفي إطار تحسين الهوية البصرية للمحاور الرئيسية، شهد محيط كوبري الأباجية تنفيذ جداريات فنية بطول نحو 160 مترًا، تضم لوحات ورسومات مستوحاة من التراث الإسلامي والمعماري للقاهرة التاريخية، في محاولة لتحويل المساحات أسفل الكباري إلى عناصر جذب بصري تحمل طابعًا حضاريًا وثقافيًا.

كما تتواصل أعمال ترميم عدد من المساجد والمواقع الأثرية المهمة بمنطقة السيدة عائشة، ومنها مسجد المسبح ومسجد الغوري ومئذنتا قوصون والتربة السلطانية، ضمن خطة تستهدف الحفاظ على التراث الإسلامي وإعادة إحياء المناطق التاريخية بالقاهرة.

وفي الجانب الاجتماعي والاقتصادي، شهدت منطقة الجمالية إقامة معرض "أهلًا بالعيد"، الذي يضم عشرات العارضين من الجهات الحكومية والقطاع الخاص لتوفير السلع الغذائية ومنتجات عيد الأضحى بأسعار مخفضة، في إطار جهود تخفيف الأعباء عن المواطنين وضبط الأسواق قبل موسم العيد.

كما يشارك في المعرض عدد كبير من الجهات الوطنية والشركات التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، إلى جانب منافذ بيع متنوعة توفر اللحوم والدواجن والخضراوات والسلع الأساسية بتخفيضات كبيرة مقارنة بالأسواق.

وفي شارع المعز، تتواصل جهود دعم الحرف والصناعات التراثية من خلال معرض الحرف اليدوية الذي يضم عشرات العارضين والحرفيين المتخصصين في الصناعات التقليدية، مثل الفخار والخيامية والحفر على الخشب والمشغولات النحاسية والكليم والسجاد اليدوي.

ويعكس المعرض أهمية الحفاظ على الحرف التراثية باعتبارها جزءًا من الهوية الثقافية المصرية، إلى جانب دعم الحرفيين وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلم هذه الصناعات التقليدية وحمايتها من الاندثار.

وتكشف هذه المشروعات حجم التغير الذي تشهده القاهرة التاريخية، في إطار رؤية تستهدف استعادة الوجه الحضاري للعاصمة، وإحياء مناطقها التراثية والثقافية، وتحويلها إلى مراكز جذب سياحي وثقافي وإنساني، تجمع بين أصالة التاريخ وحداثة التطوير.

عاجل