ذكرى رحيل مصطفى صادق الرافعي.. صاحب النشيد الوطني الأسبق «اسلمي يا مصر»
تحل اليوم الأحد، ذكرى وفاة الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، أحد أعلام الأدب العربي في العصر الحديث، وصاحب القلم الذي جمع بين قوة البيان وعمق الفكرة.
وينتمي الرافعي إلى أسرة عربية عريقة، توزعت فروعها في مصر والشام، واشتهرت بالتمسك بالتقاليد الإسلامية والصلاح والتقوى، ويرجع نسبها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
وُلد في يناير 1880 ببلدة بهتيم بمحافظة القليوبية، في بيت جده لأبيه الشيخ الطوخي، وكان والده الشيخ عبد الرازق الرافعي رئيسًا للمحاكم الشرعية في مصر، وهو واحد من أحد عشر أخًا عملوا جميعًا بالقضاء الشرعي.
نشأ الرافعي نشأة دينية هادئة، فتعلم الخط والإملاء والإنشاء، وحفظ أجزاءً من القرآن الكريم على يد والده، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بدمنهور، وانتقل إلى المنصورة، وحصل على الشهادة الابتدائية عام 1897.
ورغم ما تعرض له في طفولته من حمى أثرت على سمعه حتى فقده لاحقًا، فإن ذلك لم يقف أمام مسيرته، بل وجد في القراءة داخل مكتبة والده عالمه الخاص، فكوّن شخصيته الأدبية مبكرًا، حتى صار أديبًا قبل الخامسة والعشرين.
وبدأ حياته العملية في سن مبكرة، فعمل بوظيفة بسيطة بالمحكمة الشرعية في طلخا، ثم بإيتاي البارود وطنطا، ليستقر لاحقًا بمحكمة طنطا الأهلية حتى وفاته.
ومع مرور الوقت، برز الرافعي كأحد أعلام الأدب العربي، وامتاز أسلوبه بالجمع بين روح التراث وقوة اللغة، فكان قريبًا من أساليب الجاحظ وابن المقفع وأبي الفرج الأصفهاني، وأضاف للمكتبة العربية إنتاجًا أدبيًا وفكريًا مهمًا.
وقد حمل الرافعي رسالة واضحة، هي الدفاع عن اللغة العربية وإعجاز القرآن الكريم وإحياء القيم والأخلاق الإسلامية، كما كتب في الجمال والحب، وجعل من الأدب وسيلة للإصلاح وخدمة الفكر العربي والإسلامي.
ولم يقتصر عطاؤه على النثر، بل أنشد الشعر أيضًا، وله ديوان في ثلاثة أجزاء، كما كتب النشيد الوطني المصري "أسلمي يا مصر" الذي اعتمد بين عامي 1923 و1936، وكذلك النشيد الرسمي التونسي "حماة الحمى".
ومن أبرز أعماله: "النظرات"، "حديث القمر"، "المساكين"، "أوراق الورد"، "رسائل الأحزان"، "السحاب الأحمر"، "تحت راية القرآن"، "وحي القلم"، "تاريخ آداب العرب"، و"إعجاز القرآن".
وقد نال كتابه "إعجاز القرآن" إشادة واسعة، إذ قال عنه سعد زغلول: "كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم"، بينما وصفه عبد العزيز البشري بأنه: "أبلغ ما كتب مخلوق في كلام الخالق".
كما شهد له كبار العلماء والأدباء، منهم الإمام محمد عبده الذي كتب إليه رسالة مؤثرة قال فيها "لله ما أثمر أدبك، لا أقارضك ثناء بثناء؛ فليس ذلك شأن الآباء مع الأبناء، ولكني أعدك من خلص الأولياء، وأقدم صفك على صف الأقرباء"، والعلامة أحمد محمد شاكر الذي وصفه بـ"إمام الكُتّاب في هذا العصر وحجة العرب"، والزعيم مصطفى كامل الذي رأى فيه الحكمة العالية مصوغة في أجمل قالب من البيان، فيما أكد عباس محمود العقاد مكانته الرفيعة بين كبار المنشئين بعد وفاته.
وعاش الرافعي موظفًا بسيطًا، لكنه كان كبيرًا بقلمه وفكره، يدافع عما يؤمن به في الصحف والكتب حتى آخر لحظة في حياته، إلى أن توفي في 10 مايو 1937 عن عمر ناهز السابعة والخمسين.
وبوفاته، كما قال سعد زغلول: «خبأ في مصر نور سطع فيها ردحًا طويلًا، وانطفأ نبراس كان يستضيء به طلاب الأدب العربي، وافتقدت اللغة العربية المرحوم مصطفى صادق الرافعي».

